بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ونصلي ونسلم على أفضل الخلق نبينا ورسولنا محمد.

أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القرءان وإنـزاله وجعله عربيّاً

(الموضوع عقدي وبحاجة لتركيز شديد)

المؤلّفون

الأستاذ الدكتور حسين يوسف عمري/ قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

المرحوم أسأل الله أن يكون كِتَابهُ فِي عِلِّيِّينَ الأستاذ الدكتور راجح عبدالحميد كردي/ قسم أصول الدين - الجامعة الأردنية (زمن التأليف)

الشكر الجزيل لمن أثروا الموضوع في ملاحظاتهم القيمة وهم

الدكتور شاهر عوض الكفاوين/قسم اللّغة العربيّة/جامعة الحسين/ الأردن

الدكتور محمود حسن أبو خرمة/الهندسة التكنولوجيّة-العلوم الأساسيّة/جامعة البلقاء التطبيقيّة/الأردنّ

إبراهيم حمدان خريسات القرالّة/ مجاز القراءات الكبرى/ جامعة مؤتة

الدكتور عبدالحميد راجح كردي/ قسم أصول الدين - الجامعة   /الأردن

الدكتور ياسر بشناق/ دكتوراه علم حاسوب

الدكتور حمزة حسين يوسف عمري  و  تسنيم حسين يوسف عمري (PhD)

قسم الهندسة الكهربائية/ جامعة المسيسيبي -OleMiss /أكسفورد - أمريكا

عايدة أم حمزة حسين عمري / مجازة في بعض القراءات

سلسبيل حسين يوسف عمري/ ماجستير-الحاسوب/ من الجامعة الأردنية

سندس حسين يوسف عمري/ تخرجت من كليّة الصيدلة/ الجامعة الأردنية

مقدمة

تعريف القرءان

في اللغة:

يقول العلامة الطبرسي: الْقُرْءَان: معناه القراءة في الأصل، و هو مصدرُ قرأتُ، أي تَلَوْتُ، وهو المَرْوِي عن إبن عباس، و قيل هو مصدرُ قرأتُ الشيء، أي جَمَعْتُ بعضه إلى بعض. ومنه قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة 17-18)

أَيْ جَمْعَهُ فِي صَدْرك وَقُرْآنه أَيْ أَنْ تَقْرَأهُ.

اصطلاحاً: هو كلام الله سبحانه وتعالى المنـزل بواسطة جبريل على قلب وسمع النبي محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) باللغة العربية المعجزة المؤيدة له، المتحدى به، والمعجز بلفظه ومعناه، والمتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، والمكتوب في المصاحف والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.

شرح التعريف

كلام الله: يشمل كل كلام الله.  وإضافته إلى الله يخرج كلام غيره من الملائكة أو الإنس أو الجن.

المنـزل: يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه وتعالى، لقوله تعالى " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" الكهف 109

وقوله : (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( لقمان 27)

على محمد: يخرج ما أُنـزل على غيره من الأنبياء والمرسلين.

المتعبد بتلاوته: يُخرج الأحاديث القدسية، ويقصد بالتعبد أمرين:

أ- أنه المقروء في الصلاة ولا تصح الصلاة إلا به لقوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)

ب- إن الثواب على تلاوته لا يعادله ثواب، ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ).  إذاً هي حروف عربية.

المنقول بالتواتر: التواتر لغه هو التتابع، والتواتر اصطلاحا: هو نقل أو إخبار جماعه (دفعة أو متفرقا) عن جماعه يستحيل تواطؤهم على الكذب.

ويطلق عليه القرآن سواء كان مقروءاً (متلوّاً) أو مكتوباً، وأما المصحف فيراد به المكتوب في الصحف.
حروف فواتح السور: هي الكلمات المقطعة بالوقف على حروفها، والتي تفتتح بعض سور القرءان، عددها ( 14 كلمة) وهي:

(الم، الر، المر، طس، ص، ق، ن، المص، كهيعص، طه، طسم، يس، حم، عسق).

حروف هذه الكلمات من حيث الرّسم ( 14 حرفاً) تجمعها العبارة: نص حكيم قاطع له سر.  سنرمز لمجموعة الحروف هذه بالرمز A.

A= {ن , ص, ح, ك, ي, م, ق, ا, ط, ع, ل, هـ, س, ر}

وأمّا من حيث القراءة، فإنّ: الم تقرأ (ألف لام ميم)، ن تقرأ (نون)، ص تقرأ (صاد)، ق تقرأ (قاف).  الجديد نطقاً هي الحروف: أ؛ ف؛ و؛ د.

الحروف المقطعة المستخدمة في بداية السور (المثبتة رسماً، أو تلك التي تظهر نطقاً) تجمعها العبارة:  نص حكيم وقاطع له سر أفِدْ

 

جدول (1): الحروف المقطعة في بداية السور غالباً ما تشير إلى حالة ما قبل التنزيل، وما بعد هذه الحروف المقطعة إشارة إلى التنزيل الميسر باللّغة التي يعقلها القوم المخاطبون بالرّسالة.

جدول (- 1 أ) : الآيات التي تلي الحروف المقطعة في بداية السور والّتي وصف اللّهُ فيها الْقُرْءَان (أو آيَات الْكِتَابِ) ببعض أسماء اللّه أوصفاته سبحانه وتعالى : (الْحَكِيمِ ، الْمَجِيدِ ، الْمُبِينِ ، لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، الْحَقُّ).

السورة

حروف فواتح السور

ما بعد هذه الحروف المقطعة وصف اللّهُ الْقُرْءَان (أو آيَات الْكِتَابِ)  ببعض أسماء اللّه أوصفاته

يونس

{1} الر

{1} الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ {2} أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

لقمان

{1} الم

{2} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ {3} هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ

ق

{1} ق

{1} ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {2} بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ

يس

{1} يس

{2} وَالْقُرْءَان الْحَكِيمِ {3} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ

الزخرف

{1} حم

({2} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {3} إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {4} وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ).  "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا" بَدَل : عِنْدنَا "لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة

الرعد

{1} المر

{1} المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

يوسف

{1} الر

{1} الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

الشعراء

{1} طسم

{2} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

القصص

{1} طسم

{2} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

الدخان

{1} حم

{2} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {3} إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ

 

ويمكن الرجوع للموضوع على موقع جامعة مؤتة ومشاهدة العديد من الجداول ؛ فالمحاضرة هي ملخص لكتاب (367 صفحة، أنجز خلال 5 سنوات)

 (تِلْكَ، ذَلِكَ): اِسْما إِشارَةٍ لِلْبَعيدِ.  فأصل كلام اللّه ليس كمثله شيء، وليس من سبيل إلى معرفته أو قراءته من اللّوح المحفوظ (تِلْكَ، ذَلِكَ).  ويصبحُ واضحاً مبيناً بعد أن يبلّغه الرسول الكريم الذي أنزل عليه الوحيُ والرّسالة.

حروف فواتح السور تشير إلى كلام اللّه في حالة ما قبل التنـزل العربي، أو إلى حالة كتابة الْقُرْءَان العربي في اللوح المحفوظ؛ والتي لا يعلم كيفيتَها البشرُ، أو أنّها تشير إلى حالة ما قبل التنـزيل على محمد (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)؛ حيث لا سبيل إلى سماع أو قراءة أو إدراك كلام اللّه من قبل تنـزيله على محمّد قرآناً (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ).  ويؤكّده اسما الإشارة للبعيد (تِلْكَ، ذَلِكَ): (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ): وأما بعد التنـزيل، فعلى كيفية يفهمه العرب: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)،

نـزول جبريل بالقرءان (على قلب وسمع النبي محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) باللغة العربية).  هذا التنـزل وما سبقه من تنـزلات للقرءان (ليصبح مقروءاً مبيناً واضحاً لرسولنا وللصحابة وللعالم من بعد) فيها جميعاً أسرار حروف فواتح السور.

ويأتي هذا الكتاب محاولة لتقديم بُعد جديد لبعض مراد الله في حروف فواتح السور.  وفيما يلي محاولة ربط حروف فواتح السور مع قضايا الإيمان وتنـزيه صفات اللّه عن مشابهة صفات المخلوقين، ومنها كلام اللّه الّذي يجعله (يصيّره) سبحانه بلغة القوم المخاطبين بالرّسالة كي يتمكّنوا من الفهم، وذلك أنّ كلام اللّه في أصله ليس كمثله شيء، ولا يمكن للمخلوق أن يعقله.  الكلام صفةُ المتكلّم: فالمخلوق صفاته مخلوقة؛ وكذلك كلامه.  وأمّا اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فهو الحيُّ القيّوم، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وصفاته غير مخلوقة، وليس كمثلها شيء: فكلام اللّه غير مخلوق وليس كمثله شيء، ولا تُعْلَمُ حقيقتُه.  بل إنّ اللّه قد وصفَ كلامَه وكتابه ببعض أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى (الْحَكِيمِ، الْمَجِيدِ، الْمُبِينِ، لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، الْحَقُّ).

جاء في شرح العقيدة الواسطيّة: (أنّ اللّه تكلّم بالْقُرْءَان حقيقةً؛ فلا يمكن أن يكون الْقُرْءَان مخلوقاً؛ لأنّه صفته، وصفةُ الخالق غير مخلوقة؛ كما أنّ صفة المخلوق مخلوقة.

أللّفظُ يطلق على معنيين: على المصدر الذي هو فعلُ الفاعل، وعلى الملفوظ به.  أمّا على المعنى الأوّل (المصدر: فعلُ الفاعل)؛ فلا شكّ أنّ ألفاظنا بالْقُرْءَان وغير الْقُرْءَان مخلوقة.  لأنّنا إذا قلنا: إنّ اللّفظ هو التّلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللّسان والشّفتين مخلوق.  فإذا أريد باللّفظ التّلفظ؛ فهو مخلوق، سواء كان الملفوظ به قرآناً أو حديثاً أو كلاماً أحدثته من عندك.  أمّا إذا قصد باللّفظ الملفوظ به (الكلام المسموع)؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو الْقُرْءَان؛ فليس بمخلوق.  قال الإمام أحمد: "من قال: لفظي بالْقُرْءَان مخلوق؛ يريد الْقُرْءَان (الملفوظ به)؛ فهو جهمي".

وجاء في كتاب العقيدة الواسطيّة: ولا يجوز إطلاق القول (القول على سبيل الإطلاق) بأنّ الْقُرْءَان حكاية عن كلام اللّه أو عبارة عنه.  ويوضّحه الشيخ محمد بن العثيمين في شرح العقيدة الواسطيّة فيقول: "قال (الإمام أحمد): لا يجوز إطلاق القول، ولم يقل لا يجوز القول! يعني لا يجوز أن نقول: هذا الْقُرْءَان عبارة عن كلام اللّه؛ إطلاقاً ([1]).  ولا يجوز أن نقول: إنّه حكاية (محاكاة، مماثلة) عن كلام اللّه؛ على سبيل الإطلاق. ...  لكن عند التّفصيل؛ قد يجوز أن نقول: إنّ القارئ الآن يعبّر عن كلام اللّه أو يحكي كلام اللّه؛ لأنّ لفظه بالْقُرْءَان ليس هو كلام اللّه.  وهذا القول على هذا التقييد لا بأس به، لكن إطلاق أنّ الْقُرْءَان عبارة أو حكاية عن كلام اللّه لا يجوز").  وأكثر ما يوضح الأمر العبارة التي نسمعها كثيراً؛ وهي: (نستمع الآن لآيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ الشيخ محمود الحصري).  فنحن نسمع القرءان من البشر ولا نسمعه من الله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51).

تشير حروف فواتح السور إلى تنـزيل الْقُرْءَان الكريم عن كيفيّة كلام اللّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وعن كيفية الكتابة في اللوح المحفوظ (لَيْسَ كَمِثْلِهِا كتابة) إلى لغة سهلة ميسّرة (اللغة العربية) حتى يتمكن من فهمه الذين نـزل إليهم الْقُرْءَان الكريم عربيّاً معجزاً مبيناً.  فكان من مقتضى اللّطف الرّباني أن أنـزل الله الْقُرْءَان عن مرتبة كلامه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير لغات البشر، إلى مرتبة كلام اللّه باللغة العربية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)؛ وذلك حتى تتمكنوا من فهمه بعد تنـزله على قلب وسمع الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم).  كما وأنـزله عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ:  والْقُرْءَانُ كلام اللّه من قبل ومن بعد تنـزله إلى العربيّة.  الكلام صفةٌ للمتكلم، فلا بدّ أن يكون قائما به وتبعا لمشيئته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

 فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى.  فكلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي؛ وكلامه غير مخلوق لأنّه صفته سبحانه.   فهو إله واحدٌ يتصف بجميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه، فلا يجوز أن ننفي عنه صفة من صفاته أو اسما من أسمائه الحسنى.  فهو سبحانه ألله، الرّبُّ، العليم، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، اللطيف، الودود، العظيم، العزيز، الجبار، الرّزاق، الغني، ....  وصفاته على الحقيقة لا على المجاز، لا يُدرك كيفها ولا تستطيعُ العقولُ أن تبلغَ قدرها، وكلّها بلغ الكمال المطلق (ما لانهاية - infinity- ).

إنّ كلام اللّه صفته وهو ليس من جنس كلام البشر: (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11) .

 تسمعُ الملائكةُ قولَ اللّه كأنه سلسلة على صفوان: (إذا قضى اللهُ تعالى الأمرَ في السماءِ، ضربتِ الملائكةُ بأجنحتِها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوانٍ ... ) ([2]):  واللّه سبحانه متكلم ومنذ الأزل، والكلام صفة ذاتية وفعلية للّه سبحانه؛ ولا رادّ لأمره ؛ وله المشيئة المطلقة:

 (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

ويقول سبحانه:  (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (سورة البروج).

وخلود الكافرين في النار تحكمه المشيئة المطلقة في قوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (هود 107).

وأمّا لغات البشر فهي حادثة مخلوقة، وأنّى للحادث المخلوق أن يحيط بجميع كلام اللّه الأوّلُ لا شيء قبله والآخِرُ لاشيء بعده.

وفي الحديث: (قالت قريشٌ لليهودِ: أعطونا شيئًا نسألُ عنه هذا الرجلَ، فقالوا: سلُوهُ عن الروحِ، فسألوه؟ فنـزلت: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، فقالوا: لم نُؤْتَ من العِلمِ نحن إلا قليلًا، وقد أُوتينا التوراةَ، ومن يُؤْتَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا ؟! فنـزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي) الآيةُ [ الكهف: 109 ]) ([3]).  يوضّح الحديث أنّ (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير)؛ فهي فقط كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى موسى عليه السّلام.

ويستفادُ من هذا امتناعُ استخدامِ الشجرِ قلماً وماءِ البحار مداداً، وذلك لأنّ كلماتُ الله لا نفادَ لها، وهي لانهائيّة، وتعجز الأقلام والمداد عن استيعابها وكتابتها.: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( لقمان 27)

يقدر عدد كلمات اللّغة العربية فقط بحوالي 14 مليون كلمة.  وهذا لا شيء مقارنة مع أللانهاية (infinity).

لقد أنـزل الله على رسله قليلا من كلامه ليهتدي به من شاء:  والقرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي) جعله اللّهُ عربيّاً ثمّ أمر اللّهُ القلم أن يكتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3).

ثمّ أنـزلهُ وحياً عربيّا بواسطة جبريل عليه السلام على قلب سيّد المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم)؛ بأن قرأه جبريل والرّسولُ يسمعُ ويعقلُ حتى ثبت في قلبه.

سور الْقُرْءَان محدودة العدد (114)، وعدد آياته محدود (6236وكذلك كلماته (77439 كلمة) ([4]).  وقد يكفي لطباعة الْقُرْءَان أو كتابة نسخة منه الدّواتان من الحبر.

البشر الذي أوتي القليل من العلم يحقّق تطوراً كبيراً في مجال تخزين المعلومات:

(الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ) (العلق 4-5) .

فما بالك بعلم اللّه والكتابة في اللوح المحفوظ؟  وعليه فلا يجوز لأحد أن يحاول مجرّد التفكير بالكيفية التي يكتب بها قلمُ الله في اللوح المحفوظ.  إنّ صفات الله سبحانه قد بلغت الكمال المطلق واللانهائي، والبشر عاجزون عن إدراكها: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11) .

وأورد القرطبي في تفسيره: " وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ: التَّوْحِيد إِثْبَات ذَات غَيْر مُشَبَّهَة لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَة مِنْ الصِّفَات. وَزَادَ الْوَاسِطِيّ رَحِمَهُ اللَّه بَيَانًا فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَات، وَلَا كَاسْمِهِ اِسْم، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْل، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَة إِلَّا مِنْ جِهَة مُوَافَقَة اللَّفْظ؛ وَجَلَّتْ الذَّات الْقَدِيمَة أَنْ يَكُون لَهَا صِفَة حَدِيثَة؛ كَمَا اِسْتَحَالَ أَنْ يَكُون لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَة صِفَة قَدِيمَة. وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل الْحَقّ وَالسُّنَّة وَالْجَمَاعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ! (القرطبي) ".  وبالتالي لا بدّ من تنـزيه الله عن مشابهة الخلق وفي كلامه وفي كتابة قلمه:  فكلامُ اللهِ الأوّلِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام، ولا يجوز لأحد أن يزعم أنّه كان أصلاً بأيّ من اللغات التي يتخاطب بها البشر.  وإنّ من يزعم هذا يكون قد وقع في شَرَك التشبيه، ونسب إلى الله الانحياز إلى لغة من لغات البشر، ولرُبّما أفضى به هذا إلى الطّعن في عدالة اللّه سبحانه وتعالى.  هذا ولا يجوز التفكير في كيفيّة كتابة قلم الله.  هذا ولربّما يقع في التشبيه (تشبيه الله بخلقه) من يزعم أنّ كتابة قلم اللّه هي بكيفية تشبه أيّا من الكيفيات التي تكتب بها أقلام البشر على مرّ الزمان (من الأقلام ما قبل التأريخ، إلى الكيفية التي تعمل بها اقراص البلوراي -Blue ray-، أو خلاف ذلك ممّا قد يتوصّل إليه العلم).  نقول هذا مع علمنا بأنّ القلم مخلوق ومحدودة قدرته على الكتابة؛ فهو قد لا يستوعب أن يكتب جميع كلام اللّه وغير المحدود.  فلقد أمر اللّهُ القلمَ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها ([5])؛ ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة.  بل هنالك كتب غير اللوح المحفوظ: (إنَّ اللَّهَ كتبَ كتابًا قبلَ أن يخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بألفي عامٍ أنـزلَ منهُ آيتينِ ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ ولا يقرآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقربُها شيطانٌ) ([6]).

الكتب السماوية كلّها في الأصل كلام الله ([7])، ولا يمكن أن تخلوا جميعها (وقبل تحريف المحرّف) من بعض كلام الله القديم.  ولقد أنـزلت الكتب السماوية بلغات مختلفة.  فهل معنى ذلك أنّ هذه اللغات قديمة (قدم الله)؛ وليست حادثة؟!  الجواب كلاّ وألف كلاّ:  وبالتالي فإنّ كلام الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وهو ليس من جنس كلام البشر، وإنّما يُنـزلُه الله تعالى عن مرتبة كلامه إلى مرتبة كلامه المعجز بلغة البشر المخاطبين بالرّسالة (أيضاً: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))؛ وذلك حين يشاء أن يُنـزلَه على أحد من رسله:

(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)

(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).

ثمّ ينـزل به جبريل أمين الوحي على قلب وسمع البشر الرّسول ليقرأه هو بدوره على المخاطبين: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51).

إنّ للقرآن تنـزلات كثيرة:  (إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنـزيلًا) (الإنسان 23 (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ) (الإسراء 106)

التنـزيل (التنـزل) الأول:  كتابته في اللوح المحفوظ :اللوح المحفوظ نـزل فيه بعضُ كلام الله وأمره:

(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 4).

وإنّ كلام اللّه وأمره لانهائيّين:

(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

فاللّه سبحانه هو صاحب الأمر والنهي والإرادة المطلقة.  والقلم يكتب أمرَ اللّه؛ واللّه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء بما شاء، وكيف شاء.

كتابة الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ هي تنـزل مكاني ورتبيّ (معنويّ) أيضا:  والتنـزل الرّتبي هو أنّ القلم المخلوق يكتب كلامَ اللّه غيرَ المخلوق، فالْقُرْءَان قليلٌ من كلام اللّه أللانهائي.  يتشرّف القلمُ المخلوق بأن يكتبَ كلامَ اللّه غيرَ المخلوق؛ والذي هو صفته سبحانه، ويتشرّف اللّوح المحفوظ (وهو مخلوق) بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه، وكلامهُ غير مخلوق.  وإنّ القلم مخلوقٌ ومحدودةٌ قدرتُه على الكتابة، واللّوح المحفوظُ بمفرده محدودةٌ سعته؛ فهو قد لا يستوعب جميع كلام اللّه القديم وغير المحدود؛ فلا يسعه أن يكتب جميع كلام اللّه:  وهذا يؤكّدهُ الحديث: (إن أول شيء خلقه الله عز وجل: القلم، فأخذه بيمينهوكلتا يديه يمينقال: فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول: بر أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عنده في الذكر،...).  فالقلم أمره اللّهُ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها.  ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة .

التنـزيل الثاني: حالة اللّغة العربيّة وأحاديث أمّ الكتاب

ألله سبحانه وتعالى هو الأول لا شيء قبله، والكلام صفة لم تنفكّ عنه ومنذ الأزل؛ وكلامُه تبعٌ لمشيئة وإرادته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

لغاتُ البشر حادثة مخلوقة، وإذا كنّا ننـزه اللّه: (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11) ، فلا يجوز أن نـزعم أنّ كلامه أصلا أو أزلاً هو بلغة من لغات البشر.

ويقال: نـزلَ فلانٌ عن الأَمر والحقِّ: تركه:  ولعلّ في هذا المعنى إشارة إلى تنـزل الْقُرْءَان عن مرتبة كلام اللّه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير اللّغة العربيّة، إلى مرتبة كلام اللّه باللّغة العربيّة والّذي ليس كمثله شيء.  ثمّ كتبه القلمُ في اللّوح المحفوظ عربيّاً؛ إلاّ أنّ كيفيّة الكتابة في اللّوح المحفوظ لا يعلمها إلاّ اللّه.  فيكون التنـزل الثاني للقرآن هو الكتابة العربيّة له في اللّوح المحفوظ.  فهو تنـزل مكاني ومعنويّ أيضا: يتشرّف القلم المخلوق بأن يكتب الْقُرْءَان (كلام اللّه باللّغة العربيّة وهو غير مخلوق، وليس كمثله شيء)، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه هذا باللّغة العربيّة.  التنـزل المعنويّ (تنـزل الدّرجة والرّتبة والمكانة) الجديد هنا هو نـزولٌ عن مرتبة كلام الله الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلام الله المعجز بلغة العرب؛ والّذي ليس كمثله شيء: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 3-4)

وإنّ الكلمة (جعل: جَعَلْنَاهُ) في آيات الْقُرْءَان الكريم تكون مع طارئ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ أي بعد أن كان في أصله على صورة كلام الرّب الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ؛ أي لم يكن من قبلُ عربيّاً.  "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة.

و نـزلَ بالمكان، وفيه: حَلَّ. وهذا المعنى فيه إشارة إلى كتابة الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ؛ والّذي نـزل فيه بعضُ أمر الله وبعضُ كلامه.

نـزل من علو إلى أسفل:  وفي هذا المعنى إنـزال الْقُرْءَان من اللّوح المحفوظ (من العالم العلويّ؛ عالم الملائكة والملكوت) إلى العالم الأرضي (عالم الإنس والجنّ).  (قُلْ أَنـزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان 6).  وفي هذا المعنى أيضا الآية الكريمة: (نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء 193).  لايمسُّ الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ إلا الملائكةُ المطهّرون: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة 79).

و نـزلَ على القوم أي حلَّ ضيْفًا: (وَبِالْحَقِّ أَنـزلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نـزلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) (الإسراء 105).

ونـزل الْقُرْءَان بلسان العرب: معناه وافقت لغتُهُ لغتَهم: (الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)

إنـزال الْقُرْءَان على قلب نبيّه محمد: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَان جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان 32):  ثمّ حَفِظَ الصّحابةُ الْقُرْءَان في صدورهم، وعاشوه واقعاً: (لَقَدْ أَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء 10).

وتبيّنُ آياتُ الْقُرْءَان أنّ الصّحابة استحقوا الجنّة (نـزلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصّلت 32)، لأنّ الْقُرْءَان سكن قلوبهم وكان لهم منهاج حياة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصّلت 30).

نـزلَ هذا مكان هذا: أقامه مُقَامَه.  وهذا المعنى فيه إشارة للنسخ: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 106):  قال عُمَرُ رضي اللهُ عنه: (أقرَؤُنا أُبَيٌّ، وأقضانا عليٌّ، وإنا لندَعُ من قولِ أُبَيٍّ، وذاك أن أُبَيًّا يقولُ: لا أدَعُ شيئًا سمِعْتُه من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد قال اللهُ تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا { .) (الراوي: عبدالله