روايات الحديث التي فيها (تَصديقًا لقولِ الحَبرِ)

( جاء حَبرٌ منَ الأحبارِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : يا محمدُ ، إنا نَجِدُ : أنَّ اللهَ يَجعَلُ السماواتِ على إصبَعٍ والأرَضينَ على إصبَعٍ ، والشجرَ على إصبَعٍ ، والماءَ والثَّرى على إصبَعٍ ، وسائرَ الخلائقِ على إصبَعٍ ، فيقولُ أنا المَلِكُ ، فضحِك النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بدَتْ نَواجِذُه تَصديقًا لقولِ الحَبرِ ، ثم قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : }وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{.) ( الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم 4811، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[)

- (جاء حبرٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال : يا محمدُ ! أو يا أبا القاسمِ ! إنَّ اللهَ تعالى يُمسِك السماواتِ يومَ القيامة على إِصبعٍ . والأرضِينَ على إصبِعٍ . والجبالَ والشجرَ على إِصبِعٍ . والماءَ والثَّرى على إِصبَعٍ . وسائرَ الخلقِ على إِصبَعٍ . ثم يهزُّهنَّ فيقول : أنا الملِك . أنا الملِكُ . فضحك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تعجُّبًا مما قال الحَبرُ . تصديقًا له . ثم قرأ : (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [ 39 / الزمر / 67 ] . وفي رواية : جاء حَبرٌ من اليهودِ إلى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . بمثل حديث فضيل . ولم يذكر : ثم يهزُّهنَّ . وقال : فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضحك حتى بدت نواجذُه تعجُّبًا لما قال . تصديقًا له . ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ " وتلا الآية .) ( الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم 2786، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

(أنّ يَهودِيًّا جاء إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : يا محمدُ، إنَّ اللهَ يُمسِكُ السماواتِ على إصبَعٍ، والأرَضينَ على إصبَعٍ، والجبالَ على إصبَعٍ، والشجَرَ على إصبَعٍ، والخلائِقَ على إصبَعٍ، ثم يقولُ : أنا الملِكُ. فضحِك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بدَتْ نواجِذُه، ثم قرَأ : { وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ } . قال يحيى بنُ سعيدٍ وزاد فيه فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عُبَيدَةَ، عن عبدِ اللهِ : فضحِك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تعجُّبًا وتصديقًا له .) (الراوي : عبدالله بن مسعود ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري ، الصفحة أو الرقم: 7414 ، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[، شرح الحديث )

- (جاءَ حَبرٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : يا مُحمَّدُ أو يا رسولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ يحمِلُ السَّمواتِ على إصبعٍ والأرضينَ على إصبعٍ والجبالَ على إصبعٍ ، والشَّجرَ على إصبعٍ ، والماءَ ، والثَّرى على إصبَعٍ ، وسائرَ الخلقِ على إصبعٍ يَهُزُّهنَّ فيقولُ : أَنا الملِكُ . قالَ : فَضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، حتَّى بدَت نواجذُهُ تَصديقًا ، لقولِ الحبرِ ، ثمَّ قرأَ : وَمَاقَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى آخرِ الآيةَ) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم 6/170، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح)

- (جاء حبرٌ من اليهودِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : إنَّه إذا كان يومُ القيامةِ جعل اللهُ السَّماواتِ على أصبعٍ ، والأرْضين على أصبعٍ ، والجبالَ والشَّجرَ على أصبعٍ ، والماءَ والثَّرَى على أصبعٍ ، والخلائقَ كلَّها على أصبعٍ ، ثمَّ يهزُّهنَّ ثمَّ يقولُ : أنا الملكُ أنا الملكُ ، قال : فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضحِك حتَّى بدت نواجذُه ، تعجُّبًا له ، وتصديقًا له ، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - : }وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم 184/1، خلاصة حكم المحدث: ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[)

روايات الحديث التي لا تحوي العبارة (تَصديقًا لقولِ الحَبرِ)

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات يوما على المنبر } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَواتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمينِهِ } الآية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هكذا بأصابعه يحركها يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر ، أنا الملك ، أنا العزيز ، أنا الكريم ، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرن به) (الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم 171/1، خلاصة حكم المحدث: ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[)

- (أتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلٌ من أهلِ الكتابِ ، فقال : يا أبا القاسمِ : أَبَلغَك أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحمِلُ الخلائقَ على أصبعٍ ، والسَّماواتِ على أصبعٍ ، والأرْضين على أصبعٍ ، والشَّجرَ على أصبعٍ ، والثَّرَى على أصبعٍ ، قال : فضحِك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بدت نواجذُه ، قال : فأنزل اللهُ تعالَى : } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ { إلى آخرِ الآيةِ) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم 179/1، خلاصة حكم المحدث: ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[)

- (جاءَ جَائِي من أَهلِ الكتابِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال : يا محمَّدُ ! إنَّ اللَّهَ يَضعُ السَّماواتِ على أصبَعٍ ، والجبالَ على أصبَعٍ ، والشَّجرَ على أصبَعٍ ، والماءَ والثَّرى على أصبَعٍ ، ثمَّ يقولُ : أنا الملِكُ ؟ فضحِك رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بدَت نواجِذُه ، ثمَّ قال : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: أبو نعيم - المصدر: حلية الأولياء - الصفحة أو الرقم 7/141، خلاصة حكم المحدث: متفق عليه [أي:بين العلماء[)

- (أتى النَّبيَّ رجُلٌ من أهلِ الكتابِ فقال يا أبا القاسِمِ أبلغَكَ إنَّ اللَّهَ يحمِلُ الخلائقَ علَى إصبَعٍ والسَّمواتِ علَى إصبَعٍ والأرضَ علَى إصبَعٍ والشَّجرَ علَى إصبَعٍ والثَّرى كذا علَى إصبَعٍ قالَ فضحِكَ رسولُ اللَّهِ حتَّى بدَتْ نواجذُهُ فأنزلَ اللهُ تعالى }وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَواتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمينِهِ{) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم 543، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح)

- (إنَّ رسولَ اللهِ قَرَأَ : }وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ السَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ{ قال فَبَسَطَ رسولُ اللهِ يَدَيْه قال فيقول اللهُ تبارَكَ وتعالَى : أنَاْ الجبارُ أنَاْ المَلِكُ أَيْنَ الجبارونَ أَيْنَ المُتكبرونَ أنَاْ كذا أنَاْ كذا فرَجَفَ المِنْبَرُ برسولِ اللهِ حتى قُلْنا لَيَخِرَّنَّ به) (الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم 546، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم)

- (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأَ هذهِ الآيةَ ذاتَ يومٍ على المنبرِ } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ هكذا بيدِه ويُحَرِّكُها يُقْبِلُ بها ويُدْبِرُ يُمَجِّدُ الرَّبُّ نفسَه أنا الجبارُ أنا المتكبرُ أنا العزيزُ أنا الكريمُ فَرَجَفَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المنبرُ حتى قُلنا ليَخُرَّنَّ بهِ) (الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم 7/596، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم).

العبارة : (تَصديقًا لقولِ الحَبرِ ، تصديقًا له) هي من كلام الرّاوي . والدليل هو أنّ الآية التي قرأها الرسول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّا على قول الحبر، وقد أبرزت الآية صورة مختلفة عن تلك التي ذكرها الحبر. وأكّدت الآية أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، والآية تنزّه اللّه عن شرك اليهود.

وعليه، فإنّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضحك تعجُّبًا مما قال الحَبرُ لا تصديقًا له. ودليل ذلك أيضا أنّ هنالك روايات أخرى عن نفس الرّاوي (عبدالله بن مسعود) لا تذكر العبارة : (تصديقًا له). وكذلك رواية عبدالله بن عمر لا تذكر العبارة : (تصديقًا له).

العبارة (والجبالَ والشَّجرَ على أصبعٍ) لا تتفق مع آيات دكّ الجبال وتسييرها :-

(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) (الكهف 47)

يُخْبِر تَعَالَى عَنْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يَكُون فِيهِ مِنْ الْأُمُور الْعِظَام كَمَا قَالَ تَعَالَى : " يَوْم تَمُور السَّمَاء مَوْرًا وَتَسِير الْجِبَال سَيْرًا " أَيْ تَذْهَب مِنْ أَمَاكِنهَا وَتَزُول كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبهَا جَامِدَة وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السَّحَاب " وَقَالَ تَعَالَى " وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش " وَقَالَ " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال فَقُلْ يَنْسِفهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا " يَذْكُر تَعَالَى بِأَنَّهُ تَذْهَب الْجِبَال وَتَتَسَاوَى الْمِهَاد وَتَبْقَى الْأَرْض قَاعًا صَفْصَفًا أَيْ سَطْحًا مُسْتَوِيًا لَا عِوَج فِيهِ وَلَا أَمْتًا أَيْ لَا وَادِي وَلَا جَبَل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة " أَيْ بَادِيَة ظَاهِرَة لَيْسَ فِيهَا مَعْلَم لِأَحَدٍ وَلَا مَكَان يُوَارِي أَحَدًا بَلْ الْخَلْق كُلّهمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَة. قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة " وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة " لَا حَجَر فِيهَا وَلَا غَيَابَة قَالَ قَتَادَة : لَا بِنَاء وَلَا شَجَر (ابن كثير).

- ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (طه 105). يَقُول تَعَالَى " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال " أَيْ هَلْ تَبْقَى يَوْم الْقِيَامَة أَوْ تَزُول ؟ فَقُلْ يَنْسِفهَا رَبِّي نَسْفًا أَيْ يُذْهِبهَا عَنْ أَمَاكِنهَا وَيَمْحَقهَا وَيُسَيِّرهَا تَسْيِيرًا (ابن كثير).

- (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) (الطور 10-9). وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا : أَيْ تَذْهَب فَتَصِير هَبَاء مُنْبَثًّا وَتُنْسَف نَسْفًا (ابن كثير).

- (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) (الواقعة 5).أَيْ فُتِّتَتْ فَتًّا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ وَقَالَ اِبْن زَيْد صَارَتْ الْجِبَال كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " كَثِيبًا مَهِيلًا" . (ابن كثير).

- (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا) (الواقعة 6). قَالَ أَبُو إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هَبَاء مُنْبَثًّا كَرَهْجِ الْغُبَار يَسْطَع ثُمَّ يَذْهَب فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " فَكَانَتْ هَبَاء مُنْبَثًّا " الْهَبَاء الَّذِي يَطِير مِنْ النَّار إِذَا اِضْطَرَمَتْ يَطِير مِنْهُ الشَّرَر فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا وَقَالَ عِكْرِمَة: الْمُنْبَثّ الَّذِي قَدْ ذَرَتْهُ الرِّيح وَبَثَّتْهُ وَقَالَ قَتَادَة " هَبَاء مُنْبَثًّا " كَيَبِيسِ الشَّجَر الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيَاح . وَهَذِهِ الْآيَة كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَّة عَلَى زَوَال الْجِبَال عَنْ أَمَاكِنهَا يَوْم الْقِيَامَة وَذَهَابهَا وَتَسْيِيرهَا وَنَسْفهَا أَيْ قَلْعهَا وَصَيْرُورَتهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش(ابن كثير).

- (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) (المعارج 9-8). كَالْعِهْنِ : أَيْ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوش قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَهَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى" وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش " (ابن كثير).

- (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) (المزمل 14)

" يَوْم تَرْجُف الْأَرْض وَالْجِبَال " أَيْ تَزَلْزَل " وَكَانَتْ الْجِبَال كَثِيبًا مَهِيلًا " أَيْ تَصِير كَكُثْبَانِ الرَّمَل بَعْد مَا كَانَتْ حِجَارَة صَمَّاء ثُمَّ إِنَّهَا تُنْسَف نَسْفًا فَلَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْء إِلَّا ذَهَبَ حَتَّى تَصِير الْأَرْض قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا أَيْ وَادِيًا وَلَا أَمْتًا أَيْ رَابِيَة وَمَعْنَاهُ لَا شَيْء يَنْخَفِض وَلَا شَيْء يَرْتَفِع (ابن كثير).

- (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ) (المرسلات 10). أَيْ ذَهَبَ بِهَا فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْن وَلَا أَثَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال فَقُلْ يَنْسِفهَا رَبِّي نَسْفًا " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " وَيَوْم نُسَيِّر الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِر مِنْهُمْ أَحَدًا (ابن كثير).

- (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) (النبأ 20). كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبهَا جَامِدَة وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السَّحَاب" وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش" وَقَالَ هَاهُنَا " فَكَانَتْ سَرَابًا " أَيْ يُخَيَّل إِلَى النَّاظِر أَنَّهَا شَيْء وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ بَعْد هَذَا تَذْهَب بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا عَيْن وَلَا أَثَر كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال فَقُلْ يَنْسِفهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا " وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم نُسَيِّر الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة (ابن كثير).

- (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) (التكوير 3). أَيْ زَالَتْ عَنْ أَمَاكِنهَا وَنُسِفَتْ فَتُرِكَتْ الْأَرْض قَاعًا صَفْصَفًا (ابن كثير).

- (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) (القارعة 5). يَعْنِي قَدْ صَارَتْ كَأَنَّهَا الصُّوف الْمَنْفُوش الَّذِي قَدْ شَرَعَ فِي الذَّهَاب وَالتَّمَزُّق قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ " الْعِهْن " الصُّوف ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا يَئُول آلَيْهِ عَمَل الْعَامِلِينَ وَمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ الْكَرَامَة وَالْإِهَانَة بِحَسَبِ أَعْمَاله فَقَالَ (ابن كثير).

العبارة (وسائرَ الخلائقِ على إصبَعٍ) لا تتفق مع الحديث الصحيح الذي بيّن أنّ الناس يومئذ على جسر جهنم :-

- (قال ابن عباس : أتدري ما سعة جهنم ؟ قلت : لا . قال : أجل والله ما تدري حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} قالت : قلت : فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ ! قال : على جسر جهنم ) (الراوي: مجاهد - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم 3241 ).

- (قال ابن عباس : أتدري ما سعة جهنم ؟ قلت : لا : قال : أجل والله ما تدري ، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه }قالت : قلت فأين الناس يومئذ ؟ قال : على جسر جهنم ) (الراوي: عبدالله بن عباس - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الوادعي - المصدر: الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم 599 ).

- (قال ابن عباس أتدري ما سعة جهنم ؟ قلت : لا ، قال : أجل والله ، ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا ، تجري فيها أودية القيح والدم ؟ قلت : أنهارا ؟ قال : لا بل أودية ثم قال : أتدرون ما سعة جهنم ؟ قلت : لا قال : أجل والله ما تدري ، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن قوله : { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال : هم على جسر جهنم.) (الراوي: عبدالله بن عباس - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الوادعي - المصدر: الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم 652 ).

أقوال المفسّرين:

تفسير أبن كثير

يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِهِ " أَيْ مَا قَدَرَ الْمُشْرِكُونَ اللَّه حَقَّ قَدْرِهِ حِين عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْعَظِيم الَّذِي لَا أَعْظَم مِنْهُ الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء الْمَالِك لِكُلِّ شَيْء وَكُلّ شَيْء تَحْت قَهْرِهِ وَقُدْرَته قَالَ مُجَاهِد نَزَلَتْ فِي قُرَيْش وَقَالَ السُّدِّيّ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمه وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب لَوْ قَدَرُوهُ حَقّ قَدْره مَا كَذَّبُوا . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره هُمْ الْكُفَّار الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّه عَلَيْهِمْ فَمَنْ آمَنَ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيّ قَدِير فَقَدْ قَدَرَ اللَّه حَقَّ قَدْرِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدُر اللَّه حَقّ قَدْره وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة (سبق ذكرها) مُتَعَلِّقَة بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة وَالطَّرِيق فِيهَا وَفِي أَمْثَالهَا مَذْهَب السَّلَفِ وَهُوَ إِمْرَارهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْر تَكْيِيف وَلَا تَحْرِيف .

تفسير القرطبي

أَخْبَرَ عَنْ قُدْرَته وَعَظَمَته . وَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْبِض اللَّه الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَيَطْوِي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُول أَنَا الْمَلِك أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض ) . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله : " وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ " قَالَتْ : قُلْت فَأَيْنَ النَّاس يَوْمَئِذٍ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( عَلَى جِسْر جَهَنَّم ) فِي رِوَايَة ( عَلَى الصِّرَاط يَا عَائِشَة ) قَالَ : حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ . ... ألخ .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا عَظَّمَ اللَّه حَقّ عَظَمَته, هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ, الَّذِينَ يَدْعُونَك إِلَى عِبَادَة الْأَوْثَان . وَيَنْحُو الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23277 - حَدَّثَنِي عَلِيّ, قَالَ . ثنا أَبُو صَالِح, قَالَ . ثني مُعَاوِيَة, عَنْ عَلِيّ, عَنْ اِبْن عَبَّاس, قَوْله : { وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } قَالَ : هُمْ الْكُفَّار الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّه عَلَيْهِمْ, فَمَنْ آمَنَ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير, فَقَدْ قَدَرَ اللَّه حَقّ قَدْره, وَمَنْ لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ, فَلَمْ يَقْدِر اللَّه حَقّ قَدْره . 23278 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد, قَالَ : ثنا أَحْمَد . قَالَ . ثنا أَسْبَاط, عَنْ السُّدِّيّ } وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره{ : مَا عَظَّمُوا اللَّه حَقّ عَظَمَته.

وَقَوْله : } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة { يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالْأَرْض كُلّهَا قَبْضَته فِي يَوْم الْقِيَامَة { وَالسَّمَوَات }كُلّهَا { مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ } فَالْخَبَر عَنْ الْأَرْض مَتْنَاهُ عِنْد قَوْله : يَوْم الْقِيَامَة, وَالْأَرْض مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ { قَبْضَته }, ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ الْخَبَر عَنْ السَّمَوَات, فَقَالَ : { وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ } وَهِيَ مَرْفُوعَة بِمَطْوِيَّاتٍ . وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة غَيْره أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : الْأَرْض وَالسَّمَوَات جَمِيعًا فِي يَمِينه يَوْم الْقِيَامَة .

ذِكْر الرُّوَاة بِذَلِكَ : 23279- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد, قَالَ : ثني أَبِي, قَالَ : ثني عَمِّي, قَالَ : ثني أَبِي, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ ابْن عَبَّاس . قَوْله : } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة { يَقُول : قَدْ قَبَضَ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَات جَمِيعًا بِيَمِينِهِ . أَلَمْ تَسْمَع أَنَّهُ قَالَ : { مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ }يَعْنِي : الْأَرْض وَالسَّمَوَات بِيَمِينِهِ جَمِيعًا .

. 23280 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار, قَالَ . ثنا مُعَاذ بْن هِشَام. قَالَ : ثني أَبِي عَنْ عَمْرو بْن مَالِك, عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء, عَنْ اِبْن عَبَّاس, قَالَ : مَا السَّمَوَات السَّبْع, وَالْأَرَضُونَ السَّبْع فِي يَد اللَّه إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَد أَحَدكُمْ ([1]) ..

. 23287 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار, وَعَبَّاس بْن أَبِي طَالِب, قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن الصَّلْت, قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب, عَنْ أَبِي الضُّحَى, عَنْ اِبْن عَبَّاس, قَالَ : مَرَّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس, فَقَالَ : " يَا يَهُودِيّ حَدِّثْنَا ", فَقَالَ : كَيْفَ تَقُول يَا أَبَا الْقَاسِمِ يَوْم يَجْعَل اللَّه السَّمَاء عَلَى ذِهِ, وَالْأَرْض عَلَى ذِهِ, وَالْجِبَال عَلَى ذِهِ, وَسَائِر الْخَلْق عَلَى ذِهِ, فَأَنْزَلَ اللَّه { وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره } الْآيَة . -حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب, قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة, عَنْ الْأَعْمَش, عَنْ إِبْرَاهِيم, عَنْ عَلْقَمَة, عَنْ عَبْد اللَّه, قَالَ : أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب, فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِم أُبْلِغك أَنَّ اللَّه يَحْمِل الْخَلَائِق عَلَى أُصْبُع, وَالسَّمَوَات عَلَى أُصْبُع, وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُع, وَالشَّجَر عَلَى أُصْبُع, وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُع ؟ قَالَ فَضَحِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه, فَأَنْزَلَ اللَّه } وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته { إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السَّمَوَات فِي يَمِينه, وَالْأَرَضُونَ فِي شِمَاله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23288 -حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُد, قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم, قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي حَازِم, قَالَ : ثني أَبُو حَازِم, عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُقْسِم, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَقُول : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر يَقُول : " يَأْخُذ الْجَبَّار سَمَوَاته وَأَرْضه بِيَدَيْهِ " وَقَبَضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ, وَجَعَلَ يَقْبِضهُمَا وَيَبْسُطهُمَا, قَالَ : ثُمَّ يَقُول : " أَنَا الرَّحْمَن أَنَا الْمَلِك, أَيْنَ الْجَبَّارُونَ, أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ " وَتَمَايَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينه, وَعَنْ شِمَاله, حَتَّى نَظَرْت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَل شَيْء مِنْهُ, حَتَّى إِنِّي لَأَقُول : أَسَاقِط هُوَ بِرَسُولِ اللَّه ؟ . - حَدَّثَنِي أَبُو عَلْقَمَة الْفَرْوِيّ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد, قَالَ : ثني عَبْد اللَّه بْن نَافِع, عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر, عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر, أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَأْخُذ الْجَبَّار سَمَوَاته وَأَرْضه بِيَدَيْهِ ", وَقَبَضَ يَده فَجَعَلَ يَقْبِضهَا وَيَبْسُطهَا, ثُمَّ يَقُول : " أَنَا الْجَبَّار, أَنَا الْمَلِك, أَيْنَ الْجَبَّارُونَ, أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟ " قَالَ : وَيَمِيل رَسُول اللَّه عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله, حَتَّى نَظَرْت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَل شَيْء مِنْهُ, حَتَّى إِنِّي لَأَقُول : أَسَاقِط هُوَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ " . 23289 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن عَيَّاش الْحِمْصِيّ, قَالَ : ثنا بِشْر بْن شُعَيْب, قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي, قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن شِهَاب, قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب, عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقْبِض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَيَطْوِي السَّمَوَات بِيَمِينِهِ, ثُمَّ يَقُول : أَنَا الْمَلِك أَيْنَ مُلُوك الْأَرْض ؟ " . - حُدِّثْت عَنْ حَرْمَلَة بْن يَحْيَى, قَالَ : ثنا إِدْرِيس بْن يَحْيَى الْقَائِد, قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَة, عَنْ عُقَيْل, عَنْ اِبْن شِهَاب, قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر, عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر, أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَقْبِض الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة بِيَدِهِ, وَيَطْوِي السَّمَاء بِيَمِينِهِ وَيَقُول : أَنَا الْمَلِك " . 23290 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَوْن, قَالَ : ثنا أَبُو الْمُغِيرَة, قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم, قَالَ : ثنا سَعِيد بْن ثَوْبَان الْكُلَاعِيّ عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ, قَالَ : أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبْر مِنْ الْيَهُود, قَالَ : أَرَأَيْت إِذْ يَقُول اللَّه فِي كِتَابه : } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ { فَأَيْنَ الْخَلْق عِنْد ذَلِكَ ؟ قَالَ : " هُمْ فِيهَا كَرَقْمِ الْكِتَاب " . 23291 -حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد الْجَوْهَرِيّ, قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة, قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمْزَة, قَالَ : ثني سَالِم, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَطْوِي اللَّه السَّمَوَات فَيَأْخُذهُنَّ بِيَمِينِهِ وَيَطْوِي الْأَرْض فَيَأْخُذهَا بِشِمَالِهِ, ثُمَّ يَقُول : أَنَا الْمَلِك أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ " . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل يَهُودِيّ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِفَة الرَّبّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23292 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ : ثنا سَلَمَة, قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق, عَنْ مُحَمَّد, عَنْ سَعِيد, قَالَ :أَتَى رَهْط مِنْ الْيَهُود نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد, هَذَا اللَّه خَلَقَ الْخَلْق, فَمَنْ خَلَقَهُ ؟ فَغَضِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِنْتَقَعَ لَوْنه, ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ ; فَجَاءَهُ جِبْرِيل فَسَكَّنَهُ, وَقَالَ : اِخْفِضْ عَلَيْك جَنَاحك يَا مُحَمَّد, وَجَاءَهُ مِنْ اللَّه جَوَاب مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ, قَالَ : يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد اللَّه الصَّمَد لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد { فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : صِفْ لَنَا رَبّك ; كَيْفَ خَلْقه, وَكَيْفَ عَضُده, وَكَيْفَ ذِرَاعه ؟ فَغَضِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدّ مِنْ غَضَبه الْأَوَّل, ثُمَّ سَاوَرَهُمْ, فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ مِثْل مَقَالَته, وَأَتَاهُ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ } وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ { - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ : ثنا يَعْقُوب, عَنْ جَعْفَر, عَنْ سَعِيد, قَالَ :تَكَلَّمَتْ الْيَهُود فِي صِفَة الرَّبّ, فَقَالُوا مَا لَمْ يَعْلَمُوا وَلَمْ يَرَوْا, فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره { ثُمَّ بَيَّنَ لِلنَّاسِ عَظَمَته فَقَالَ : } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {, فَجَعَلَ صِفَتهمْ الَّتِي وَصَفُوا اللَّه بِهَا شِرْكًا . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ { يَقُول فِي قُدْرَته نَحْو قَوْله : } وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ { 4 36 أَيْ وَمَا كَانَتْ لَكُمْ عَلَيْهِ قُدْرَة وَلَيْسَ الْمِلْك لِلْيَمِينِ دُون سَائِر الْجَسَد, قَالَ : وَقَوْله } قَبْضَته { نَحْو قَوْلك لِلرَّجُلِ : هَذَا فِي يَدك وَفِي قَبْضَتك . وَالْأَخْبَار الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابه وَغَيْرهمْ, تَشْهَد عَلَى بِطُولِ هَذَا الْقَوْل . 23293 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة, عَنْ عَنْبَسَة, عَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة, عَنْ مُجَاهِد, عَنْ اِبْن عَبَّاس, عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَنْ قَوْله } وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة { فَأَيْنَ النَّاس يَوْمئِذٍ ؟ قَالَ : " عَلَى الصِّرَاط " .

وَقَوْله } سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ { يَقُول تَعَالَى ذِكْره تَنْزِيهًا وَتَبْرِئَة لِلَّهِ, وَعُلُوًّا وَارْتِفَاعًا عَمَّا يُشْرِك بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد, الْقَائِلُونَ لَك : اُعْبُدْ الْأَوْثَان مِنْ دُون اللَّه, وَاسْجُدْ لِآلِهَتِنَا

تفسير الجلالين

"وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره" مَا عَرَفُوهُ حَقّ مَعْرِفَته أَوْ مَا عَظَّمُوهُ حَقّ عَظَمَته حِين أَشْرَكُوا بِهِ غَيْره "وَالْأَرْض جَمِيعًا" حَال : أَيْ السَّبْع "قَبْضَته" أَيْ مَقْبُوضَة لَهُ : أَيْ فِي مُلْكه وَتَصَرُّفه "يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات" مَجْمُوعَات "بِيَمِينِهِ" بِقُدْرَتِهِ"سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" مَعَهُ

التفسير الميسر

( 67 ) وما عظَّم هؤلاء المشركون اللهَ حق تعظيمه؛ إذ عبدوا معه غيره مما لا ينفع ولا يضر، فسوَّوا المخلوق مع عجزه بالخالق العظيم، الذي من عظيم قدرته أن جميع الأرض في قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، تنزه وتعاظم سبحانه وتعالى عما يشرك به هؤلاء المشركون، وفي الآية دليل على إثبات القبضة، واليمين، والطيِّ، لله كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تكييف ولا تشبيه.

تفسير السّعدي

يقول تعالى: وما قدر هؤلاء المشركون ربهم حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، بل فعلوا ما يناقض ذلك، من إشراكهم به من هو ناقص في أوصافه وأفعاله، فأوصافه ناقصة من كل وجه، وأفعاله ليس عنده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا يملك من الأمر شيئا.

فسووا هذا المخلوق الناقص بالخالق الرب العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة قبضة للرحمن، وأن السماوات - على سعتها وعظمها - مطويات بيمينه، فلا عظمه حق عظمته من سوَّى به غيره، ولا أظلم منه.

} سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ { أي: تنزه وتعاظم عن شركهم به.

تفسير الوسيط لطنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير الله - تعالى - قد تجاوزوا حدودهم معه - عز وجل - ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديس فقال : ( وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ) . أى : أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره - تعالى - ، ما عظموه حق تعظيمه ، وما أعطوه ما يستحقه - سبحانه - من تقديس وتكريم وتنزيه وطاعة .

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته . وكمال قدرته . فقال : ( والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) . والقَبْضة : المرة من القَبْض ، وتطلق على المقدار المقبوض بالكف . ومطويات أى : مجموعات تحت قدرته وملكه ، كما يجمع الكتاب المطوى ، والجملة الكريمة حال من لفظ الجلالة ، فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين لم يعظموا الله حق تعظيمه ، حيث أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى هى من مخلوقاته ، والحال أنه - سبحانه - هو المتولى لإِبقاء السموات والأرض على حالهما فى الدنيا ، وهو المتولى لتبديلهما ، أو إزالتهما فى الآخرة ، فالأرض كلها مع عظمتها وكثافتها تكون يوم القيامة فى قبضته وتحت قدرته ، كالشئ الذى يقبض عليه القابض ، والسموات كذك مع ضخامتها واتساعها ، تكون مطويات بيمينه وتحت قدرته وتصرفه ، كما يطوى الواحد منا الشئ الهين القليل بيمينه ، وما دام الأمر كذلك فكيف يشركون معه غيره فى العبادة؟

فالمقصود من الآية الكريمة بيان وحدانيته وعظمته وقدرته - سبحانه - وبيان ما عليه المشركون من جهالة وانطماس بصيرة حين أشركوا معه فى العبادة غيره .

قال صاحب الكشاف : والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعته ، تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز . .

وقال الآلوسى : والكلام فى هذه الآية عند كثير من الخلف ، تمثيل لحال عظمته - تعالى - ونفاذ قدرته . . بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعا ، ويمين بها يطوى السموات ، أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسموات ، ويمين بها يطوى السموات .

والسلف يقولون : إن الكلام هنا تنبيه على مزيد جلالته - تعالى - . إلا أنهم لا يقولون إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ، ولا اليمين مجاز عن القدرة ، بل ينزهون الله - تعالى - عن الأعضاء والجوارح ، ويؤمنون بما نسبه - تعالى - : إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذى أراده - سبحانه - وكذا يفعلون فى الأخبار الواردة فى هذا المقام .

فقد أخرج البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال : " جاء حبر من الأحبار إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد . إنا نجد الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع . فيقول : أنا الملك . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ هذه الآية . . "

وقدم - سبحانه - الأرض على السموات لمباشرتهم لها ، ومعرفتهم بحقيقتها .

وخص يوم القيامة بالذكر ، وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا - أيضا - لأن الدعاوى تنقطع فى ذلك اليوم .

كما قال - تعالى ( والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) روى الشيخان عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يطوى الله السموات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول أنا الملك ، أين الجبارون ، أين المتكبرون ، أين ملوك الأرض " .

وقوله - تعالى - : ( سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزيه له - تعالى - : عما افتراه المفترون .

أى : تنزه وتقدس الله - تعالى - عن شرك المشركين ، وعن ضلال الضالين .

تفسير البغوي

 

قوله عز وجل : ( وما قدروا الله حق قدره ) ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره ، ثم أخبر عن عظمته فقال ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم ، حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، فيقول : أنا الملك ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ : " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة " .

ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن فضيل بن عياض عن منصور ، وقال : " والجبال والشجر على إصبع ، وقال : ثم يهزهن هزا ، فيقول : ( أنا الملك أنا الله ) " .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرني الحسين بن فنجويه ، حدثنا عمر بن الخطاب ، حدثنا عبد الله بن الفضل ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة ، عن عمر بن حمزة ، عن سالم بن عبد الله ، أخبرني عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون " ، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني ، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن يونس عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض " .

 

تفسير التحرير والتنوير محمد الطاهر بن عاشور

 

 

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

لما جرى الكلام على أن الله تعالى خلق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وهو مُلك عوالم الدنيا ، وذيل ذلك بأن الذين كفروا بدليل الوحدانية هم الخاسرون ، وانتقلَ الكلام هنا إلى عظمة مُلك الله تعالى في العالم الأخروي الأبدي ، وأن الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر ، فلو اطلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدّروه حقّ قدره فتكون الواو عاطفة جملة { والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } على جملة { له مقاليد السموات والأرض } [ الزمر : 63 ] ويكون قوله : { وما قدروا الله } الخ معترضاً بين الجملتين ، اقتضاها التناسب مع جملة { والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون } [ الزمر : 63 ] .

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة الله خالق كل شيء [ الزمر : 62 ] فتكون جملة { وما قدروا الله حق قدره } وجملة { والأرض جميعاً قبضته } كلتاهما معطوفتين على جملة { الله خالق كل شيء } [ الزمر : 62 ] . والمعنى : هو هو ، إلا أن الحال أوضح إفصاحاً عنه .

ويجوز أن تكون جملة { والأرض جميعاً قبضته } عطفَ غرض على غرض انتُقل به إلى وصف يوم القيامة وأحوال الفريقين فيه ، وجملة { وما قدروا الله حق قدره } اعتراضاً ، وهو تمثيل لحال الجاهل بعظمة شيء بحال من لم يحقق مقدار صُبرة فنقصها عن مقدارها ، فصار معنى { ما قدروا الله : } ما عرفوا عظمته حيث لم ينزهوه عما لا يليق بجلاله من الشريك في إلهيته .

و { حقَّ قدره } من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي ما قدروا الله قدرَه الحقَّ ، فانتصب { حَقَّ } على النيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع ، وتقدم نظير هذا في سورة الأنعام .

وجميع : أصله اسم مفعول مثل قتيل ، قال لبيد

: ... عريت وكان بها الجَميع فأبكروا

منها وغودر نؤيها وثمامها ... وبذلك استعمل توكيداً مثلَ ( كلّ ) و ( أَجمَع ) قال تعالى : { يوم يبعثهم اللَّه جميعاً } في سورة [ المجادلة : 6 ] . وقد وقع { جميعاً } هنا حالاً من { الأرض } واسم { الأرض } مؤنث فكان تجريد ( جميع ) من علامة التأنيث جرياً على الوجه الغالب في جريان فعيل بمعنى مفعول على موصوفه ، وقد تلحقه علامة التأنيث كقول امرىء القيس

: ... فلو أنها نفس تموت جميعةٌ

ولكنها نفس تَسَاقَطُ أنفسا ... وانتصب { جميعاً } هنا على الحال من { الأرض } وتقدم نظيره آنفاً في قوله : { قل لله الشفاعة جميعاً } [ الزمر : 44 ] .

والقبضة بفتح القاف المرّة من القَبْض ، وتقدم في قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } في سورة [ طه : 96 ]

( والإِخبار عن الأرض بهذا المصدر الذي هو بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق للمبالغة في الاتصاف بالمعنى المصدري وإنما صيغ لها وزن المرة تحقيراً لها في جانب عظمة ملك الله تعالى ، وإنما لم يُجَأْ بها مضمومة القاف بمعنى الشيء المقبوض لئلا تفوت المبالغة في الاتصاف ولا الدلالة على التحقير فالقَبضة مستعارة للتناول استعارة تصريحية ، والقبضة تدل على تمام التمكن من المقبوض وأن المقبوض لا تصرّف له ولا تحرّك .

وهذا إيماء إلى تعطيل حركة الأرض وانقماع مظاهرها إذ تصبح في عالم الآخرة شيئاً موجوداً لا عمل له وذلك بزوال نظام الجاذبية وانقراض أسباب الحياة التي كانت تمد الموجودات الحية على سطح الأرض من حيوان ونبات .

وطَيُّ السماوات : استعارة مكنية لتشويش تنسيقها واختلال أَبعاد أجرامها ، فإن الطي ردّ ولفّ بعض شُقق الثوب أو الوَرق على بعض بعد أن كانت مبسوطة منتشرة على نسق مناسب للمقصود من نشره فإذا انتهى المقصود طوي المنشور ، قال تعالى : { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده } [ الأنبياء : 104 ] . وإثبات الطي تخييل .

والباء في { بِيَمِينِه } للآلة والسببية . واليمين : وصف لليد ولا يدَ هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده الفرّاء والمبرد ، قال القرطبي

: ... ولما رأيتُ الشمس أشرقَ نورها

تَناولتُ منها حَاجتي بيمين ... أي بقدرة . وضمير ( منها ) يعود على مذكور في أبيات قبله .

والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قَبضته ومن كانت السماوات مطويةً أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيَّل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين ، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل ، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أَنَا المَلِك أَين ملوك الأرض " وعن عبد الله بن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إِصبَع ، والأرضينَ على إصبع ، والشجَر على إصبع ، والماءَ والثَّرى على إصبع ، وسائر الخلق على اصبَع . فيقول أنا الملك ، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } .

ومعنى قوله : ثم قرأ هذه الآية ، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة . والحَبر من أحبار يهود المدينة ، وقول الراوي : تصديقاً لقول الحَبر ، مُدرَج في الحديث من فهم الراوي كما جزم به أبو العباس القرطبي في كتابه : المفهم على صحيح مسلم ، وقال الخطّابي رَوى هذا الحديث غيرُ واحد عن عبد الله بن مسعود من طريق عَبِيدة فلم يذكروا قوله تصديقاً لقول الحَبر ، ولعله من الراوي ظَنٌّ وحسبان . ا ه ، أي فهو من إدراج إبراهيم النخعي رواية عن عَبِيدَة . وإنما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحَبر في ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يداً وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ولذلك أعقبه بقراءة { وما قدروا الله حق قدره } لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحَبر ونظراؤه من الجسمية ، وذلك معروف من اعتقادهم وقد ردّه القرآن عليهم غيرَ مرة مما هو معلوم فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بإبطاله واكتفى بالإِشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى أن ما توهمه اليهودي توزيعاً على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف .

وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } وهو وهَم من بعض رواته وكيف وهذه مكية وقصة الحبر مدنية .

وجملة { سبحانه وتعالى عما يشركون } إنشاء تنزيه لله تعالى عن إشراك المشركين له آلهةً وهو يؤكد جملة { وما قدروا الله حق قدره } .


 



[1] قال ابنُ عباسٍ : يقبضُ اللهُ عليهما فما ترى طرفاهما بيدِه ، وفي لفظٍ عنه : ما السمواتُ السبعُ والأرَضونَ السبعُ وما فيهن وما بينهن في يدِ الرحمنِ إلا كخَرْدلةٍ في يدِ أحدِكم) (الراوي: - المحدث: ابن تيمية - المصدر: مجموع الفتاوى - الصفحة أو الرقم 6/561، خلاصة حكم المحدث: هذه الآثار معروفة في كتب الحديث)