وَعْدُ الْآخِرَةِ نُزولُ المسيح عيسى عليه السلامُ لينهي طغيانَ اليهودِ وإفسادَهم

The coming of the Messiah Jesus (PBUH); The Promise and Sign of the Hereafter; Ends the Tyranny and Corruption of the Jewish

 

جمع وترتيب

أ.د. حسين يوسف العمري

Hussain yousef Omari

قسم الفيزياء / جامعة مؤتة / الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

 


الموضوعات

المبحث الأول: نزول المسيح عليه السلام وحملُهُ النَّاسَ كلَّهم على الدخولِ في الإسلامِ

الفرع الأول: والذي نفسي بيدِه ، ليُوشكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا ، فتكونُ الملَّةُ واحدةً وهي مِلَّةُ الإسلامِ ، ويضعُ الجزيةَ ، ويفيضُ المالُ

الفرع الثاني: ينزِلُ عيسى بنُ مريمَ مصدِّقًا بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَى ملتِّهِ إمامًا مهديًّا وحكَمًا عدْلًا فَيَقْتُلُ الدجالَ

* مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ

الفرع الثالث: لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ

* ولنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها

عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ ، و عِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ

الفرع الرابع: إن يخرُج الدَّجَّالُ وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ

الفرع الخامس‏: ‏ كان يُظنُّ أنّ ابن صياد هو الدّجال

الفرع السادس: لم يسلَّط علَى الدَّجَّالِ إلَّا عيسَى ابنُ مَريمَ: يخرجُ الدجَّالُ في أمتي فيمكثُ أربعينَ. فيبعثُ اللهُ عيسى بنَ مريمَ فيطلبُه فيهلكُه . ثم يمكث الناسُ سبعَ سنينَ . ليس بين اثنين عداوةٌ. ثم يرسل اللهُ ريحًا باردةً من قِبَلِ الشأمِ . فلا يبقى على وجه الأرضِ أحدٌ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلا قبضتْه . فيبقى شرارُ الناسِ، ثم يُنفخُ في الصُّورِ، ويُصعقُ الناسُ

الفرع السابع: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال  : وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ

المبحث الثاني: رحمة الله لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ يُؤْمِنُونَ

الفرع الأول: رحمة النبوة ورحمة الأنبياء

الفرع الثاني: رحمة الله بعباده الصالحين

الفرع الثالث: خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي

الفرع الرابع: رحمة الله بعباده

الفرع الخامس: رحمة الله باليهود وبأهل الكتاب هي أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد

المبحث الثالث: إفساد اليهود

الفرع الأول: اللهُ الرّب العزيز الجبّار تشتمُه اليهودُ

الفرع الثاني: اليهود كفرة قتلة أنبياء الله

الفرع الثالث: إفساد اليهود الوارد في سورة الإسراء

الإفسادة الأولى: غدر ومكر وخيانة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة

(دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ): الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه جاء من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، وكتب عمر بن الخطاب (العهدة العمرية)

تحرير صلاح الدين للقدس

الإفسادة الثانية: قائمة وهي بين يدي الساعة

للَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ: ألله ربّ كل شيء ومليكه على مرّ الزمان والمكان ومن قبلهما ومن بعدهما

عندما ترد كلمة الأولى غير مقترنة مع الآخرة ، فإنّها تأتي بمعنى السّابق والأول (the first)

المبحث الرابع : وَعْدُ الْآخِرَةِ

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) : يَعْنِي نزول المسيح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِن السَّمَاء بين يدي السّاعة

الآية والأحاديث تسمّي وقت إنهاء الإفسادة الأولى لليهود بأنه لأول الحشر

بيتُ المقدسِ أرضُ المحشرِ وأرضُ المنشرِ مَنْ لم يستطِعْ أنْ يأتِيَهُ فلْيُهْدِ إليه زَيْتًا يُسْرِجُ فيه

نَبيِّنا محمَّد أَوْلى النَّاسِ بعيسى ابنِ مريمَ في الدُّنيا والآخِرةِ وإنّ عيسى خليفة محمَّد على أمّته

الآيات القرآنية التي ترد فيها كلمتي الآخرة والدنيا مقترنتين و زوجين: في هذه المجموعة من الآيات كلمة الآخرة تعني يوم القيامة وأهواله من نفختي الصعق ثم الفزع والنشور والحساب والصِّرَاطِ ثم المآل إما إلى درجات الجنان أو دركات النار

معنى كلمة الآخرة في الآيات القرآنية التي لم ترد فيها كلمة الدنيا هو نفسه كما في الآيات القرآنية التي ترد فيها كلمتي الآخرة والدنيا مقترنتين و زوجين

الْوَعْدُ الْحَقُّ: يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة

وَعْدُ الْحَقِّ: أن يقْضِيَ اللَّهُ بَيْن عِبَاده فَيدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّاتِ وَيُسْكِنَ الْكَافِرِينَ الدَّرَكَاتِ

وَعْد الصِّدْق: وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات

وَعْدُ الله: وَعْدُهُ لِرُسُلِهِ بِالنُّصْرَةِ لَهُمْ وَلِأَتْبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته

إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه، فيُهلكُ اللهُ الكافرين ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم

تباعد الزمان أيام الدجال، وعلى شرار الناس تقوم الساعة

طول يوم القيامة (خمسين ألف سنة)

يوم القيامة تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد. ويُمثَّلُ لمن كانَ يَعبدُ عيسَى شيطانُ عيسَى، ويُمثَّلُ لمن كانَ يَعبدُ عُزَيْرًا شيطانُ عُزَيْرٍ


 

وَعْدُ الْآخِرَةِ نُزولُ المسيح عيسى عليه السلامُ لينهي طغيانَ اليهودِ وإفسادَهم

الملخّص:

لمّا كان العليم سبحانه يعلم بأنّ اليهود سيتمردون على منهج الله، وعلى رسله، ورسالاته، وأنهم سيُفسدون في الأرض،  حذّرهم اللهُ من هذا الإفساد في كتابهم، وكان عليهم أن يستحيوا من الله، وأن ينصاعوا لرسل الله ورسالاته.  وقد وَجَب علينا معشر المسلمين أن نزيد صلاحاً ، ونُكثِّف جُهودَنا في خدمة البشرية، كما يجب علينا الابتعاد عن صفات اليهود وطبائعهم وهم الذين كتموا التوراة وحرّفوها.  لقد كثر إفساد اليهود وتعاظم طغيانهم، وتعدّدت صورُ فسادهم وأشكاله؛ فقد شتموا الذات الإلهية، وقتلوا الأنبياء ، وعبدوا العجل ، وأخفَوا بعض نصوص التوراة، وحرّفوا بعضها الآخر.  الإفسادُ اليهودي شمل جوانب الحياة المادية والخلقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية . . .  إلا أنّ لهم إفسادين مع المسلمين خصتهما سورة الإسراء بالذكر.

لقد كانت صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم معروفة لدى اليهود ؛ مكتوبةً عندهم في التوراة يعرفونه كما يعرفون أبناءهم: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة 146)، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام 20).  إلا أنهم كفروا برسالة سيدنا محمّد رغم علمهم بها ومعرفتهم به وبأوصافه، ولم يؤمن به من اليهود إلا القليل. بل إنّهم خانوا العهود والمواثيق وغدروا بالمسلمين في المدينة ؛ فهمُّوا بقتل الرسول واعتدوا على حرمات المسلمين وعلى الأعراض.

وبالعودة إلى إفسادتيّ اليهود، نذكر أنّ الشعراوي - رحمه الله- يرى أنّ الإفسادة الأولى لليهود هي ما كان من غدر ومكر وخيانة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة.  فنزل الأمر الرّباني بمقاتلتهم وإخراجهم من المدينة، ثم من خيبر ومن جزيرة العرب.  يقول الشعراوي إن هذا هو الإفساد الأول بدليل الآية الكريمة: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) (الإسراء 5). ذلك أنّ (إِذَا) ظرف لما يستقبل من الزمن، وليس للماضي.  وقد نزلت سورة الإسراء في مكة قبل سورة الحشر (سُورَة بَنِي النَّضِير) التي نزلت في المدينة بمناسبة إجلاء بني النضير: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر 2).  سُورَة الْحَشْر: "وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول: سُورَة بَنِي النَّضِير.  وفي الحديث: (كانت غَزوةُ بني النَّضيرِ وَهم طائفةٌ منَ اليَهودِ على رأسِ ستَّةِ أشْهرٍ من وقعةِ بدرٍ وَكانَ منزلُهم ونخلُهم بناحيةٍ المدينةِ فحاصرَهم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ حتَّى نزلوا على الجَلاءِ وعلى أنَّ لَهم ما أقلَّتِ الإبلُ منَ الأمتعةِ والأموالِ إلَّا الحلقةَ ـ يعني السِّلاحَ ـ فأنزلَ اللَّهُ فيهم }سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... إلى قولِه لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا { فقاتلَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ حتَّى صالحَهم على الجَلاءِ فأجلاهم إلى الشَّامِ، وكانوا من سِبطٍ لم يصبْهم جلاءٌ فيما خلا وَكانَ اللَّهُ قد كتَبَ عليْهمُ ذلك، ولولا ذلِكَ لعذَّبَهم في الدُّنيا بالقتلِ والسَّبيِ .  وأمَّا قولُهُ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ فَكانَ جلاؤُهم ذلِكَ أوَّلَ حشرٍ في الدُّنيا إلى الشَّامِ) (الراوي: عائشة أم المؤمنين ، المحدث: الوادعي ، المصدر : صحيح أسباب النزول، الصفحة أو الرقم: 240 ، خلاصة حكم المحدث  صحيح).

وكذلك الكلمة " وَعْدُ " (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ) لا يمكن ولا يصحّ أن تكون في الزمن الماضي وذلك لدلالة الجملة على الزمن المستقبل بفعلِ دخول (إِذَا) عليها.  يرى الشعراوي أن صفة ومسمى " عِبَادًا " تطلق على من ينصاع لأوامر الله ولمنهجهه في مجالات الاختيار كانصياعه في القهريّات التي لا مجال فيها للاختيار. وأما صفة ومسمى "عبيد" فتطلق على المتمردين على أوامر الله ومنهجهه في مجالات الاختيار.  وهذا التمييز (عباد، عبيد) يكون في الحياة الدنيا التي هي دار التكليف والاختبار.  وأما الآخرة فهي دار جزاء لا عمل؛ وهنالك لا مجال للتمرّد على أحكام الله وإرادته. فعلى سبيل المثال المؤمنون في الجنّة يُلهَمُون التسبيح من غير ما إرادة.  وعليه يرى الشعراوي أنّ المقصود بقوله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) هم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم؛ الذين طهّروا المدينة من رجس اليهود ودنسهم وإفسادهم، فاليهود أعداءُ الله وأعداء الإنسانية بل أعداء أنفسهم.

وبعد قرون من الزمن انتكس المسلمون وحادوا عن المنهج الرّباني وتحاكموا إلى الطاغوت ؛ فسلّط الله عليهم اليهود الشّراذم شذّاذ الآفاق لعلّ المسلمين يرجعون إلى الجادّة: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (الإسراء 6).  لقد أصبحت الغلبة لليهود منذ عام 1967، ولا يزال الإفساد اليهودي يتنامى، وجيش الاحتلال يزداد قوة إلى قوة، بينما أمتنا الإسلامية تزداد ضعفا وهوانا وارتكاساً في إنفاذ مكر ومخططات أعداء الأمة.  وقضية بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين تتقزم في نفوس القادة العرب الذين يفترض أن يكونوا أصحاب قرار يسعون لخدمة قضايا الأمة.  بل من عجب العجاب أن العرب يسهمون في حصار إخوانهم المسلمين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؛ وما ذلك إلا هوانا وضعفاً في مقابل مكر الليل والنهار الذي جند له اليهود المال العالمي والنساء والسياسة والإعلام العالمي ومؤسّسات الضغط اليهودي، بل واستنفروا العالم ليقفوا في صف الشيطان حربا على الإسلام والمسلمين.  فنحنُ نعيشُ اليومَ الإفسادة الثانية لليهود: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (الإسراء 6). 

وستبقى الكَرّةُ والغلبة لليهود حتى نعود إلى منهج الله ، سيبقى السوط اليهودي والاستعلاء الصهيوني يذكرنا بضرورة العودة إلى دين الله وحكمه : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة 82).  فإذا ما حصلت الاستفادة وعُدنا إلى الله نصرنا اللهُ على اليهود أعداء الله وأعداء الإنسانية بل أعداء أنفسهم حين اختاروا الطغيان والكفر والاستعلاء والتكبر على منهج الله: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).

اليهود هم أساس ومحور المكر والكيد لدين الإسلام وللمسلمين. إنّ الصراع مع اليهود صراع عقيدة؛ بيّنت مفاصلَهُ سورةُ الإسراء (سُورَة بني إسرائيل) والعديد من سور القرآن.  وحدّدتها أيضاً أحاديث الإسراء.  فالإسراء والمعراج معجزة خالدة نؤمن بها؛ فهي من عقيدتنا التي ربطتنا ببيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين.  الصراعُ مع اليهود يقودهُ أولو العزم من الرّسل:  لقد همّت يهود بقتل المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام فرفعه اللهُ إليه.  وفي صدر الإسلام بدأ تآمر اليهود وكيدُهم للإسلام وللمسلمين ولنبيّ هذه الأمة خيرُ رسول محمد صلى الله عليه وسلم.  فأخرج المسلمون اليهودَ من المدينة ثم من خيبر ومن جزيرة العرب. وكان يقود الصراعَ ضدّ اليهود محمدٌ صاحب أعظم معجزتين: معجزة القرآن الخالدة ثم معجزة الإسراء والمعراج.  وسيُحسمُ هذا الصراعُ بقيادة المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.  الذي خصّه اللهُ بمعجزات عظيمة منها: مولده ، وكلامه في المهد، وإحياء الموتى بإذن الله، ثم رفْعهُ إلى اللهُ، ثم عودتُه وقتْلُه الدّجال.  سيقوم المسيح عيسى بنشر الإسلام ومقاتلة اليهود؛ ليُحسم آخر حلقات الصراع مع قوى البغي والكفر.  إنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورة الحشر (سُورَة بَنِي النَّضِير).  وإنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورةُ الإسراء (سُورَة بني إسرائيل): (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).  إنّهُ صراعٌ بين الإيمان والكفر، كما أنّه صراعٌ على بيت المقدس مهبط الديانات أولى القبلتين وثالث الحرمين.  لقد أسري بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس حيث أمّ الأنبياء؛ لتكون الوصاية لأمّته على بيت المقدس، ولتكون رسالة الإسلام ناسخة ومهيمنة على باقي الرسالات.  وعُرِجَ بنبينا محمد من بيت المقدس إلى السماوات السبع فالجِنان، وارتقى لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام حيث فرضَ علينا ربُّ العزة والجلال الصلاةَ بوحيٍ مباشر من الله إلى رسوله؛ من غير واسطة جبريل عليه السلام.  سيُحسمُ الصراعُ مع اليهود بقيادة عيسى بن مريم بين يدي السّاعة؛ كما أوضحت بعضُ روايات أحاديث الإسراء والمعراج: (فقال عيسَى : أمَّا وجْبَتُها فلا يعلمُ بها أحدٌ إلَّا اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، وفيما عهِد إليَّ ربِّي، عزَّ وجلَّ ، أنَّ الدَّجَّالَ خارجٌ ، قال : ومعي قضيبان ، فإذا رآني ذاب كما يذوبُ الرَّصاصُ ، قال : فيهلكُه اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، إذا رآني ، حتَّى إنَّ الحجرَ والشَّجرَ يقولُ : يا مسلمُ ، إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتُلْه. قال : فيهلكُهم اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، ثمَّ يرجعُ النَّاسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم) (الراوي: عبدالله بن مسعود ،  المحدث : أحمد شاكر ،  المصدر : عمدة التفسير ، الصفحة أو الرقم: 2/84 ،  خلاصة حكم المحدث : [أشار في المقدمة إلى صحته] .  التخريج : أخرجه ابن ماجه (4081)، وأحمد (3556) باختلاف يسير).

إنّه صراع الحق يقوده أولو العزم من الرسل معهم صفوة الصفوة في مجابهة أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة وأعداء العدالة والحرية، بل وأعداء الطفولة.  بدأ الصراع بقيادة خير الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار.  ويستمر الصراع ليتسلم قيادته بين يدي الساعة عيسى عليه السلام؛ ومعه النخبة: (عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ ، و عِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ) ([1] ) .  وفي الحديث الآخر: (ليدركنَّ الدجالُ قومًا مثلكمْ أو خيرًا منكمْ، و لنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها) ([2]).

والصراع مستمرٌ :

(لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ. قال، فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ أميرُهُم : تَعالَ صَلِّ لنا . فيقول  : لا . إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ. تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ) ([3]) .

(لا يَزالُ مِن أُمَّتي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بأَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَهُمْ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ علَى ذلكَ.

الراوي : معاوية بن أبي سفيان ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري

الصفحة أو الرقم: 3641 ، خلاصة حكم المحدث : [صحيح] ،  انظر شرح الحديث رقم 22306

(إذا فسَدَ أهلُ الشامِ فلا خيرَ فيكم ، لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتي منصورينَ لا يَضُرُّهم مَن خذَلهم حتى تقومَ السَّاعةُ) (الراوي : قرة بن إياس المزني ، المحدث : الألباني ، المصادر : السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم: 403 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط الشيخين ،  انظر شرح الحديث رقم 63168

المصدر : صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 702 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح

(إذا فسدَ أَهْلُ الشَّامِ فلا خيرَ فيكم : لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتِي منصورينَ لايَضُرُّهُمْ من خَذَلَهُمْ حتى تقومَ الساعةُ) (الراوي : قرة بن إياس المزني ، المحدثون : الترمذي ، المصدر : سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2192 ، خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 65555

الألباني ، المصدر : صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2192 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح

الشرح:

لبِلادِ الشَّامِ وأهلِهَا المُؤمنِينَ فَضائِلُ كثيرةٌ، وقدْ ذكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلكَ في سُنَّتِه؛ فبَيَّنَ أنَّها أرضُ الْمَحشَرِ، وفيها تَبقَى الفِئَةُ المؤمِنَةُ على الحقِّ إلى قِيامِ السَّاعةِ، وفِيهَا بَيْتُ المقدِسِ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إذا فسَدَ أهْلُ الشَّامِ"، أي: في دِينِهم، والمُرادُ بالشَّامِ هنا ما يَشمَلُ اليومَ الأُردنَ وفِلسطينَ وسُوريَةَ ولُبْنانَ، مع اختلافٍ يَسيرٍ في حُدودِ هذه الدِّولِ مع الدِّولِ المُجاورةِ لها، "فلا خيرَ فيكم"، أي: إنَّ فسادَ أهْلِ الشَّامِ علامةٌ على فَسادِ أُمَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنَّه بيَّنَ أنَّ هذا الفسادَ ليس عامًّا؛ فقال صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا تَزالُ طائفةٌ من أُمَّتي مَنْصورينَ"، أي: ستظَلُّ جماعةٌ من أُمَّةِ الإسلامِ يُجاهِدون في سبيلِ نُصرةِ الحقِّ، وهم مُنْتصِرون وغالِبونَ، "لا يضُرُّهم مَن خذَلَهُم"، أي: لا يضُرُّهم مَن ترَكَ نُصْرتَهم ومُعاونتَهم، وقولُه: "حتَّى تقومَ السَّاعةُ"، أي: سيظَلُّون على هذه الحالِ إلى يومِ القيامةِ طائفةً بعدَ طائفةٍ، وهذا ممَّا يدُلُّ على أنَّ الحقَّ لا ينقطِعُ في أُمَّةِ الإسلامِ، وأنَّ هناك مَن يتوارَثُه جِيلًا بعدَ جيلٍ، وفيه إشارةٌ إلى بقاءِ نَصْرِ اللهِ لهم وحفْظِهم. والمكانُ في نفْسِه لا يرفَعُ أحدًا، ولكنَّ عمَلَ أهْلِه هو الحَدُّ الفاصِلُ في الرِّفعةِ والضَّعَةِ، وأيُّ مكانٍ في الأرضِ مُدِحَ لا يدُلُّ على مدْحِ صاحبِه ومَن يسكُنُه إلَّا إذا اتَّقى اللهَ تعالى.

قيل: وفي الحديثِ دَلائلُ على نُبوَّةِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندما تحدَّثَ بهذا الحديثِ كان أهْلُ الشَّامِ كُفَّارًا، والكُفْرُ أكبَرُ أنواعِ الفَسادِ؛ ففي هذا الحديثِ إشارةٌ إلى أنَّهم سيَدخُلونَ في دِينِ اللهِ، ويَصلُحون بعدَ فَسادِهم، وقد حصَلَ ما أشار إليه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وكذلك فيه إخبارُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أُمَّتَه ستَفسُدُ بعدَ صَلاحِها، وسيكونُ آخِرُ النَّاسِ فَسادًا أهْلَ الشَّامِ.

وفيه: إخبارُه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذي أتى به سيَبْقى قائمًا بقيامِ الطَّائفةِ المنصورةِ به، وبالحفاظِ عليه، والذَّبِّ عنه.

وإنّ عودة المسيح عليه السلام تكون بين يدي السّاعة: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61).  وهذا عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته " أَيْ قَبْل مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكُون عَلَيْهِمْ شَهِيدًا " ... قَالَ مُجَاهِد " وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ " أَيْ آيَة لِلسَّاعَةِ خُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام.

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) : يَعْنِي نزول المسيح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِن السَّمَاء بين يدي السّاعة.  وهذا ما أكده المفسرون للآية الكريمة: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) (الإسراء 104).  " اسْكُنُوا الْأَرْضَ " أَيْ أَرْض الشَّأْم (الطبري).  "وَعْدُ الْآخِرَةِ " أَيْ الْقِيَامَة (الطبري)، السَّاعة (الجلالين).  وَقَالَ الْكَلْبِيّ : " فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة " يَعْنِي مَجِيء عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ السَّمَاء  (الطبري، القرطبي).  المرّة الثانية التي سيفسد فيها اليهود هي التي نعيشها الآن (تفسير القرآن المجيد للشيخ فضل حسن عبّاس).  "لَفِيفًا " أَيْ جَمِيعكُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوّكُمْ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك: لَفِيفًا أَيْ جَمِيعًا (ابن كثير، الطبري، الجلالين).  إذاً هذه هي إفسادتهم الأخيرة والتي هي قُبيل نزول المسيح عليه السلام بين يدي السّاعة.  ويتجمّعُ اليهود الغاصبون في فلسطين، كما يجتمع المسلمون في شرق الأردن بفعل الأحداث التي جعلت من الأردن ملاذاً للمهجّرين.

أشار القرآن إلى نهاية الإفسادة الأولى بقوله سبحانه "فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا" أُولَى مَرَّتَيْ الْفَسَاد" بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ".   أما الإفسادة الثانية فلم تذكر بلفظ مشابه: كأن تقول "فَإِذَا جَاءَ وَعْد ثانيهما" ثاني مَرَّتَيْ الْفَسَاد.  كما أنها لم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد الأخيرة" ، ولم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد الأخرى"، ولم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُخراهما".  وإنما جاءت في القرآن بقوله سبحانه : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) من الآيتين الكريمتين في سورة الإسراء (آية 7، 104).  يؤكُّد ذلك أنّ قوله تعالى: (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) يكون بين يدي الساعة (الآخرة) عندما ينزل عيسى عليه السلام.

وكما أنّ اليهود تُعدُّ نفسها وتصرُّ على يهودية الدولة، فإنّه لا بدّ لنا من العودة إلى منهج الله وإلى الإسلام شرعة ومنهاجاً: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (أل عمران 103).  ويتوجب على علماء الأمة وقادتها أن يعيدوا لهذا الصراع هويته: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... ) (المائدة 82).  فإذا ما حصلت الإستفادة وعدنا إلى الله نصرنا اللهُ على اليهود أعداء الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة 64).  إذا عدنا إلى الله نصرنا اللهُ على اليهود أعداء الإنسانية (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل) (آل عمران 75).  أَيْ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى جُحُود الْحَقّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي دِيننَا حَرَج فِي أَكْل أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ وَهُمْ الْعَرَب فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّهَا لَنَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أَيْ وَقَدْ اِخْتَلَقُوا هَذِهِ الْمَقَالَة وَائْتَفَكُوهَا بِهَذِهِ الضَّلَالَة فَإِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْل الْأَمْوَال إِلَّا بِحَقِّهَا وَإِنَّمَا هُمْ قَوْم بُهُتٌ (ابن كثير).  وهاهم اليوم يغتصبون بيت المقدس مسرى رسولنا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بل يسعون لهدم المسجد الأقصى ليبنوا على أنقاضه هيكلهم المزعوم.  لقد بلغ إفسادهم الذروة ولا بدّ لنا من الاعتصام بحبل الله لينصرنا اللهُ على القوم الكافرين.

يتتبع الموضوع مفردات الآية (وَعْدُ ، الْآخِرَةِ ، أُولَاهُمَا، رحمة الله - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ -) في جميع آيات القرآن الكريم؛ وذلك من أجل فهم مراد الله بقوله سبحانه (وَعْدُ الْآخِرَةِ).

 في حال الإستعجال يمكن الإنتقال إلى:) صفحة 67)

الفرع الخامس: رحمة الله باليهود وبأهل الكتاب هي أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد

المبحث الأول: نزول المسيح عليه السلام وحملُهُ النَّاسَ كلَّهم على الدخولِ في الإسلامِ

الفرع الأول: والذي نفسي بيدِه ، ليُوشكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا ، فتكونُ الملَّةُ واحدةً وهي مِلَّةُ الإسلامِ ، ويضعُ الجزيةَ ، ويفيضُ المالُ

يقول تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) (النساء 157).

(والذي نفسي بيدِه ، ليُوشكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا ، فيكسرُ الصليبَ ، ويقتلُ الخنزيرَ ، ويضعُ الجزيةَ ، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ) ([4] ) .

(والذي نفسي بيدِه ، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا ، فيكسرَ الصليبَ ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها . ثم يقولُ أبو هريرةَ  : واقرؤوا إن شئتم  : {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } .) ([5] ) .

شرح الحديث: مِنَ العَلاماتِ الَّتي تكونُ قبْلَ قيامِ السَّاعةِ نزولُ عيسى ابنِ مريمَ عليه السَّلام، فإنَّه ينزلُ آخِرَ الزَّمانِ كما أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقدْ أوشكَ على النُّزولِ، أي: اقتربَ (إنه لَحَقٌّ وأَمَّا إِنَّهُ قريبٌ فكُلُّ مَا هو آتٍ قَرِيبٌ).  فيكونُ حَكَمًا عدلًا بَيْنَ النَّاسِ، فَيكسِرُ الصَّليبَ؛ إشارةً إلى بُطلانِ دِينِ النَّصارى وما ادَّعَوْه كذبًا عليه، ويضعُ الجزيةَ، يعني: يَحمِلُ النَّاسَ كلَّهم على الدخولِ في الإسلامِ، فلا يبقَى أحدٌ يدفعُ الجزيةَ، أو أنَّه لا يأخذُ جِزيةً؛ لِوفرةِ المال وانعدامِ الفُقراءِ، ويَفيضُ المالُ فلا يقبلُه أحدٌ حتَّى تكون السَّجدةُ خيرًا مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّهم حينئذٍ لا يَتقرَّبون إلى اللهِ إلَّا بالعِباداتِ لا بِالتَّصدُّقِ بالمالِ، ثُمَّ قال أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه: اقرؤوا إنْ شِئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159]، فاستدلَّ بِالآيةِ على نُزولِ عيسى عليه السَّلامُ في آخِرِ الزَّمان مِصداقًا لِلحديثِ، والمعنى: وإنْ مِن أهلِ الكتابِ مِن أحدٍ إلَّا لَيُؤمِننَّ بعيسى قبْلَ مَوتِ عيسى، وهم أهلُ الكِتابِ الَّذين يكونون في زَمانِ نُزولِه، فتكونُ الملَّةُ واحدةً وهي مِلَّةُ الإسلامِ.

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: (([6] ) ، ([7] ) ، ([8] ) ، ([9] ) ، ([10] ) ، ([11] ) ، ([12] ) ، ([13] ) ، ([14]) ، ([15] ) ، ([16] ) ، ([17] ) ، ([18] ) ، ([19] ) ).

وأقول هذه هي رحمة الله باليهود: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8).

(والَّذي نفسي بيدِه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مرْيمَ حَكمًا عدلًا فيَكسرُ الصَّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، ثمَّ يقولُ أبو هرَيرةَ اقرَؤوا إن شِئتُم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ([20] ) .

(يَنْزِلُ عيسى عليه ثوبان مُمَصَّرَان فيَدُقُّ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويدعو الناسَ إلى الإسلامِ ، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها إلا الإسلامَ ، وتَقَعُ الأَمَنَةُ في الأرضِ حتى تَرْتَعَ الأُسُودُ مع الإبلِ، وتَلْعَبُ الصبيانُ بالحيَّاتِ - وقال في آخرِه - ثم يُتَوَفَّى ، ويُصَلِّي عليه المسلمون.) ([21]) .

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي:-

 ([22]) ، ([23]) ، ([24]) ، ([25]) ، ([26]) ، ([27]) ، ([28]) ، ([29]) ، ([30]).

([31] ) ، ([32] ) ، ([33] ) ، ([34] ) .

الفرع الثاني: ينزِلُ عيسى بنُ مريمَ مصدِّقًا بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَى ملتِّهِ إمامًا مهديًّا وحكَمًا عدْلًا فَيَقْتُلُ الدجالَ

 (واللهِ ! ليَنزِلَنَّ ابنُ مريمَ حَكَمًا عادلًا . فلَيَكسِرَنَّ الصليبَ . ولَيَقتُلَنَّ الخِنزيرَ . ولَيَضَعَنَّ الجِزيَةَ . ولَتُترَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسعَى عليها . ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ . ولَيُدعَوُنَّ ( ولَيَدعُوَنَّ ) إلى المالِ فلا يَقبَلُه أحدٌ) ([35] ) .

(لا تقومُ الساعةُ حتَّى ينزلَ الرومُ بالأعماقِ ، أوْ بدابقٍ . فيخرجُ إليهمْ جيشٌ مِنَ المدينةِ . مِنْ خيارِ أهلِ الأرضِ يومئذٍ . فإذا تصافُّوا قالتِ الرومُ : خلُّوا بينَنا وبينَ الذينَ سُبُوْا مِنَّا نقاتلُهُمْ . فيقولُ المسلمونَ : لا . واللهِ ! لا نُخلِّي بينَكمْ وبينَ إخوانِنا . فيقاتلونَهُمْ . فينهزمُ ثلثٌ لا يتوبُ اللهُ عليهمْ أبدًا. ويقتلُ ثلثُهمْ ، أفضلُ الشهداءِ عندَ اللهِ . ويفتتحُ الثلثُ . لا يُفتنونَ أبدًا . فيفتتحونَ قُسطنطينيةَ . فبينَما همْ يقتسمونَ الغنائمَ، قدْ علَّقوا سيوفَهُمْ بالزيتونِ ، إذْ صاحَ فيهم الشيطانُ  : إنَّ المسيحَ قدْ خلَفَكمْ في أهليكُمْ . فيخرجونَ . وذلكَ باطلٌ . فإذا جاءُوا الشامَ خرجَ . فبينَما همْ يعدونَ للقتالِ ، يسوونَ الصفوفَ ، إذْ أُقيمتِ الصلاةُ . فينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فأمَّهُمْ . فإذا رآهُ عدوُّ اللهِ ، ذابَ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ . فلوْ تركَهُ لانذابَ حتى يهلكَ . ولكنْ يقتلُهُ اللهُ بيدِهِ . فيريهِمْ دمَهُ في حربتِهِ) ([36] ) .

شرح الحديث: يَحكي أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تنزلَ الرُّومُ بِالأعماقِ أو بِدابقٍ، والأعماقُ ودَابقٌ مَوضعانِ بِالشَّامِ بِالقُربِ مِن حَلَبٍ، فَيخرجُ إليهم جيشٌ مِنَ المدينةِ مِن خيارِ أهلِ الأرضِ يومَئذٍ؛ احترازًا مِن زمنِه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، فإذا تَصافُّوا قالتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَينَنا وَبَيْنَ الَّذينَ سُبَوْا مِنَّا نَقتُلهم؛ يريدونَ بذلك مُقاتَلَة المؤمنينَ ومُخادعَةَ بعضِهم عَن بعضٍ، ويَبغونَ بِه تفريقَ كلِمَتِهم، والْمُرادونَ بِذلك همُ الَّذينَ غَزَوْا بلادَهم، فَسَبَوْا ذُرِّيَّتَهم فَيقولُ المسلمونَ: لا واللهِ لا نُخَلِّي بيْنَكم وبين إخوانِنا، فَيُقاتلونَهم، أي: المسلمونَ (يقاتلون) الكفرةَ، فَينهزِمُ ثُلثٌ، أي: مِنَ المسلمينَ ولا يتوبُ اللهُ عليهم أبدًا كنايةً عَن موتِهم على الكفرِ، وتعذِيبِهم على التَّأبِيدِ، ويُقتلُ ثُلثُهم أفضلُ الشُّهداءِ عِندَ اللهِ ويَفتَتِحُ الثُّلثُ، أي: الباقي مِنَ المسلِمينَ لا يُفتَنونَ، أي: لا يُبتلَوْنَ بِبليَّةٍ، أو لا يُمتحنونَ بِمقاتَلةٍ، أو لا يُعذَّبون أبدًا، فَفيه إشارةٌ إلى حُسنِ خَاتمتِهم، فَيفَتتحونَ قُسطَنْطِينيَّةَ، أي: يَأخذونَها مِن أيدي الكفَّارِ، فَبينَما هم، أي: المسلمونَ يَقْتسِمونَ الغنائمَ قد علَّقُوا سُيوفَهم بِالزَّيتونِ: أرادَ الشَّجرَ المعروفَ، وهو دليلٌ على كمالِ الأمْنِ إذ صاحَ فيهمُ الشَّيطانُ، أي: نادى بِصوتٍ رفيعٍ، إنَّ المسيحَ، أي: أعْلَمَهم، والمرادُ بِالمسيحِ هَاهنا الدَّجَّالُ، قد خلَفَكم، أي: قامَ مَقامَكم في أهلِيكم، أي: في ذَرَارِيكم فَيَخرجونَ، أي: جيشُ المدينةِ مِن قُسْطَنطينِيَّةَ، وذلك، أي: القولُ مِنَ الشَّيطانِ باطلٌ، أي: كذِبٌ وزُورٌ، فإذا جاؤوا، أي: المسلمونَ الشَّامَ خرَجَ، فَبينما هم يَعْدُونَ، أي: يَستعِدُّون ويَتهيَّؤُونَ لِلقتالِ، يُسوُّونَ الصُّفوفَ إذْ أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أي: وقتُ إقامةِ المؤذنِ لِلصَّلاةِ، فَينزلُ عيسى ابنُ مَريمَ عليه السلام، أي: مِنَ السَّماءِ على مَنارةِ مَسجدِ دِمشقَ فَيأتي القُدسَ فَأَمَّهم، أي: أَمَّ عِيسى المسلمينَ في الصَّلاةِ فَإِذا رآه، أي: رأى عِيسى عدُوُّ اللهِ، أي: الدَّجَّالُ ذَابَ، أي: شرَعَ في الذَّوبانِ كما يَذوبُ الملحُ في الماءِ فلو تَرَكه، أي: لَو تَركَ عِيسى الدَّجَّالُ ولم يقتُلْه لَانْذابَ حتَّى يَهلِكَ، أي: بِنفسِه بِالكلِّيَّةِ، ولكنْ يقتلُه اللهُ بِيدِه، أي: بِيدِ عيسى عليه السلام فَيُريهم دَمَه، أي: دمَ الدَّجَّالِ في حرْبَتِه: وهي رُمحٌ صغيرٌ.

في الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الغَيبيَّاتِ.  وفيه: بيانُ فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ.  وفيه: بيانُ الملحمَةِ الكبرى.

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: ([37]) ، ([38])، ([39])، ([40]) ، ([41]) ، ([42])، ([43]) .

([44]) ، ([45]) ، ([46]) ، ([47]) ، ([48]) .

مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ

(مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ) ([49])

(إني لأرجو إن طال بي عُمرٌ أن ألقَى عيسَى بن مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإن عجِل بي موتٌ فمَن لقِيه منكم فليقرِئْه مني السلامَ) ([50])

(إنِّي لأرجو إن طال بي عمرٌ أن ألقى عيسى بنَ مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإن عجَّل بي موتٌ فمَن لقيه منكم فليُقرِئْه منِّي السَّلامَ) ([51]).

( إنِّي لأرجو إن طالَ بي عُمُرٌ أن ألقَى عيسى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فإن عَجلَ بي موتٌ ، فمن لقيَهُ منكم فليُقرئهُ منِّي السَّلامَ) ( [52])

(إنِّي لأرجو إن طالَت بي حياةٌ أن أُدْرِكَ عيسى ابنَ مريمَ عليه السلام ، فإن عجِلَ بي موتٌ ، فمن لقيه منكم؛ فليُقرئهُ منِّي السَّلامَ) (الراوي : أبو هريرة ، المحدث : الألباني ، المصدر : السلسلة الضعيفة، الصفحة أو الرقم:  5564 ، خلاصة حكم المحدث : شاذ).

 (عن أبي هُرَيْرةَ ، قالَ  : إنِّي لأرجو إن طالَت بي حياةٌ أن أُدْرِكَ عيسَى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فإن عَجِلَ بي موتٌ ، فمَن أدرَكَهُ فليُقرئهُ منِّي السَّلامَ) ([53]) .

الفرع الثالث: لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ

 (لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ. قال، فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ أميرُهُم : تَعالَ صَلِّ لنا . فيقول  : لا . إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ. تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ) ([54]) .

شرح الحديث: أُمَّةُ الإِسلامِ شأنُها عَظيمٌ؛ فإنَّها آخِرُ أُممِ الأَنبياءِ في الدُّنيا، ونبيُّها خاتَمُ الأَنبياءِ، وقدْ أُرسِلَ للناسِ كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، ودعوتُهُ مُمتدَّةٌ إلى آخِرِ الزَّمانِ، فالأُمَّةُ الإِسلاميَّةُ ستظلُّ هي الدَّاعيَ الأخيرَ إلى اللهِ مُتمَسِّكةً بالحقِّ المبينِ، وستَتَكالَبُ عليْها الأُممُ بِسَببِ هذا الحقِّ، ولكنَّ طائفةً مِن الأمَّةِ ستظلُّ على الهُدى مُجاهِدةً في سبيلِ اللهِ حقًّا وصِدقًا حتى قِيامِ الساعةِ، ومِن علاماتِ يومِ القيامةِ نُزولُ عيسى بنِ مريمَ عليه السَّلامُ، وفي هذا الحديثِ يُخبِر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أي: ستظلُّ جماعةً من أُمَّةِ الإسلامِ يُجاهدونَ في سبيلِ نُصرةِ الحقِّ، وهُم مُنتَصِرونَ غَالِبونَ، وسيظلُّونَ على هذه الحالِ إلى يومِ القيامةِ طائفةً بعدَ طائفةً، وهذا مِمَّا يدلُّ على أنَّ الحقَّ لا ينقَطِعُ في أمَّةِ الإِسلامِ، فهُناك من يَتوارَثُهُ جِيلًا بعد جِيلٍ، حتَّى «يَنْزِلَ عِيسى ابنُ مرْيَمَ صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولُ أَمِيرُ الطَّائِفَةِ المؤْمِنةِ - وهُوَ في ذلكَ الزَّمانِ المَهْدِيُّ، كما بيَّنَتْهُ رِوايةٌ أُخْرى- لِعيسَى: «تَعَالَ صَلِّ لَنا» أي: صلِّ لنا إمامًا، فيقولُ عِيسى: «لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ على بعضٍ أُمَراءُ تَكْرِمةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ». أي: إنَّ أئِمَّتَكُمْ مِنْكُمْ يؤُمُّ المسْلِمُ أَخَاهُ المُسلمَ، وَهَذا مِنْ تكريمِ اللهِ لأُمَّةِ الإسلامِ.

وقيلَ: إنَّ ذلكَ لبَيانِ أنَّ دِينَ الإِسلامِ الذي جاءَ بِهِ مُحمَّدٌ لا يُنْسَخُ إلى قيامِ السَّاعةِ، وأنَّ تَرْكَ عِيسى عليهِ السلامُ إِمامةَ المُسلِمينَ في الصَّلاةِ مَعَ كوْنِهِ نَبِيًّا؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ شَريعةَ الإِسلامِ قدْ نُسِخَتْ.  وفي الحديثِ: عَلَمٌ منْ أَعلامِ النُّبوَّةِ؛ حيثُ أَخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما سيكُونُ بعدَه في أُمَّتهِ.

(لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي يقاتلونَ على الحقِّ ، ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ) (الراوي : جابر بن عبدالله ، المحدث : مسلم ، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 1923 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح )

الشرح: الخَيرُ باقٍ في هذه الأُمَّةِ لا يَنقطِعُ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ.  وفي هذا الحديثِ يُخبرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هذه الأُمَّةِ أنَّها لا تَزالُ فيها طائفةٌ على الحقِّ، وهذه الطَّائفَةُ مُعانَةٌ مِنَ اللهِ مَنصورةٌ على مَن خَذَلها وحَاربَها، والهَزيمَةُ والخِذلانُ عَاقبةُ مَن حارَبَها أو عارَضَها، وقد بَشَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ هذه الطَّائفةَ ستَكونُ كذلِك على أمرِ اللهِ مُستمسِكين، وبه قائِمينَ حتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ، وهي الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ تَكونُ قبلَ قيامِ السَّاعةِ تَقبِضُ أَرواحَ المؤمنينَ.

وقد اختُلِفَ في المقصودِ بهذِه الطَّائفةِ، وكذلك اختُلِف في مكانها؛ فقيل: هُم العُلماءُ والفقهاء، وقيل: هُم أصحابُ الحديثِ، وقيل: هُم المُجاهِدُون في سَبيلِ اللهِ تعالى، وقد ورَدَ أنَّهم بالشَّام، وأنَّهم ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المقدس، وورَد أنَّ آخِرَهم بِبيتِ المقْدِسِ، والأولى الجَمْعُ بين هذه الأقوال كلِّها بأنَّ هذه الطَّائفةَ تكون مُتناثِرةً بَينَ طَوائفِ الأُمَّةِ؛ فَمنَ المُمكنِ أن يَكونوا مِنَ العُلماءِ والمُجاهِدين والفُقهاءِ والآمِرين بالمَعروفِ والنَّاهينَ عنِ المُنكرِ، وقَدْ يَكونون مُجتمِعينَ في مَكانٍ أو مُتفرِّقينَ في البُلدانِ.

والحديثُ آيةٌ على صِدقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه مُنذُ أخبَرَ بذلكَ وهذه الطَّائفَةُ لا تَزالُ مَوجودَةً في الأُمَّةِ لم تَنقَطِعْ في زَمانٍ منَ الأزمنَةِ.  وفي الحديثِ: فَضلُ الثَّباتِ على الحقِّ والعملِ به.  وفيه: فَضلُ لُزومِ هذِه الطائِفةِ؛ فإنَّهم مَنصورونَ مُعانونَ.

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: ([55] ) ، ([56]) ، ([57]) .

ولنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها

(ليدركنَّ الدجالُ قومًا مثلكمْ أو خيرًا منكمْ، و لنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها) ([58]).  وهذا الحديث يوفق بين إمامة عيسى للمسلمين في الصلاة، وبين قوله : (إِنَّ بَعْضَكُمْ على بعضٍ أُمَراءُ تَكْرِمةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ).  فعيسى عليه السلام هو من هذه الأمة: (و لنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها).

عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ ، و عِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ

(عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ ، و عِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ) ([59] ) .

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: ([60] ) ، ([61] ) .

شرح الحديث : الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن أفضَلِ الأعمالِ والقُرُباتِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.   وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "عِصابَتان مِن أُمَّتي"، أي: جَماعَتان، ويُرادُ بلَفظِ العِصابةِ هنا: مُطلَقُ الكَثرَةِ لا الَّذي يَدُلُّ عليه اللَّفظُ وهو الجَماعَةُ مِن عَشَرةٍ إلى أربَعين، "أحرَزَهما اللهُ مِن النَّارِ"، أي: حَفِظَهما اللهُ منها ومِن عَذابِها، والمقصودُ: كلُّ مَن يَكونُ في هاتَينِ الجَماعَتينِ، الأُولى: "عِصابةٌ تَغزو الهِندَ"، أي: تَخرُجُ مُجاهِدةً إلى أرضِ الهِندِ فتَغزوها، وسواءٌ ظَفِرَتْ أَم لا، وقيل: المقصودُ بهذه العصابةِ هي التي تكونُ مع المهديِّ المنتظَرِ الذي يَفتَحُ الهندَ، حتَّى لا يُوجَدَ فيها عابدُ بقرٍ، فيَدخُلونَ في الإسلامِ كافَّةً على يَدِه في آخِرِ الزَّمانِ، مع أنَّ المُسلِمينَ قدْ غَزَوْا بلادَ السِّندِ والهِندِ في زمَنِ مُعاويةَ وبني أُميَّةَ، وفَتَحوا بعضَ حُصونِها، وأقاموا شَريعةَ الإسلامِ، إلَّا أنَّ المهديَّ سوف يَفتَحُها فتحًا كاملًا ومعه هذِه العُصبةُ مِن المُسلِمينَ. والثَّانيةُ: "وعِصابةٌ تكونُ مع عيسى ابنِ مريمَ"، أي: حينَما يَخرُجُ آخِرَ الزَّمانِ لقَتلِ المسيحِ الدَّجَّالِ، فيُقاتِلون الدَّجَّالَ مع نبيِّ اللهِ عيسى عليه السَّلامُ.

وفي الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بأحْداثِ آخِرِ الزَّمانِ، وهو عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه.

الفرع الرابع: إن يخرُج الدَّجَّالُ وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ

 (إن يخرُج الدَّجَّالُ وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم).  هذا القول للرسول (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) يؤكدُ أنّ أمر الدَّجَّال قريب؛ وما هو ببعيد.

(ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غَداةٍ . فخفض فيه ورفَع . حتى ظننَّاه في طائفةِ النخلِ. فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا . فقال " ما شأنُكم ؟ " قلنا  : يا رسولَ اللهِ ! ذكرتَ الدجالَ غَداةً . فخفضتَ فيه ورفعتَ . حتى ظنناه في طائفةِ النخلِ . فقال " غيرُ الدجالِ أخوفُني عليكم . إن يخرج ، وأنا فيكم ، فأنا حَجيجُه دونَكم . وإن يخرج ، ولستُ فيكم ، فامرؤ حجيجٌ نفسَه . واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ . إنه شابٌّ قَططٌ. عينُه طافئةٌ . كأني أشبِّهُه بعبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ . فمن أدركه منكم فليقرأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهفِ . إنه خارجٌ خَلةٌ بين الشامِ والعراقِ . فعاثَ يمينًا وعاث شمالًا. يا عبادَ الله ! فاثبُتوا " قلنا  : يا رسولَ اللهِ ! وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " قلنا  : يا رسولَ اللهِ! فذلك اليومُ الذي كسنةٍ ، أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ ؟ قال " لا . اقدُروا له قَدرَه " قلنا  : يا رسولَ اللهِ ! وما إسراعُه في الأرضِ ؟ قال " كالغيثِ استدبرتْه الريحُ . فيأتي على القومِ فيدعوهم ، فيؤمنون به ويستجيبون له . فيأمر السماءَ فتمطر . والأرضُ فتنبتُ . فتروح عليهم سارحتُهم ، أطولُ ما كانت ذرًّا ، وأسبغُه ضروعًا، وأمدُّه خواصرَ . ثم يأتي القومَ . فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه . فينصرف عنهم . فيصبحون مَمْحَلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالِهم . ويمرُّ بالخَربةِ فيقول لها  : أَخرِجي كنوزَك . فتتبعُه كنوزُها كيعاسيبِ النحلِ . ثم يدعو رجلًا مُمتلئًا شبابًا . فيضربه بالسيفِ فيقطعه جزلتَينِ رميةَ الغرضِ ثم يدعوه فيقبِلُ ويتهلَّلُ وجهُه . يضحك . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ . بين مَهرودَتَينِ . واضعًا كفَّيه على أجنحةِ ملَكَينِ . إذا طأطأَ رأسَه قطر. وإذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ . فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات . ونفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفُه . فيطلبه حتى يدركَه ببابِ لُدَّ . فيقتله . ثم يأتي عيسى ابنَ مريمَ قومٌ قد عصمهم اللهُ منه . فيمسح عن وجوهِهم ويحدثُهم بدرجاتِهم في الجنةِ . فبينما هو كذلك إذ أوحى اللهُ إلى عيسى  : إني قد أخرجتُ عبادًا لي ، لا يدَانِ لأحدٍ بقتالهم . فحرِّزْ عبادي إلى الطور . ويبعث اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ . وهم من كلِّ حدَبٍ ينسِلونَ . فيمرُّ أوائلُهم على بحيرةِ طَبرِيَّةَ . فيشربون ما فيها . ويمرُّ آخرُهم فيقولون  : لقد كان بهذه ، مرةً ، ماءً . ويحصر نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه . حتى يكون رأسُ الثَّورِ لأحدِهم خيرًا من مائةِ دينارٍ لأحدِكم اليومَ . فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه . فيُرسِلُ اللهُ عليهم النَّغَفَ في رقابِهم . فيصبحون فرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ . ثم يهبط نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الأرضِ . فلا يجِدون في الأرضِ موضعَ شبرٍ إلا ملأه زَهمُهم ونتْنُهم . فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى اللهِ . فيرسل اللهُ طيرًا كأعناقِ البُختِ . فتحملُهم فتطرحهم حيث شاء اللهُ . ثم يرسل اللهُ مطرًا لا يَكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٌ . فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلفَةِ . ثم يقال للأرض  : أَنبِتي ثمرَك ، ورُدِّي بركتَك . فيومئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانةِ . ويستظِلُّون بقِحْفِها . ويبارك في الرَّسْلِ . حتى أنَّ اللقحةَ من الإبلِ لتكفي الفِئامَ من الناس . واللَّقحةُ من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس . والّلقحةُ من الغنمِ لتكفي الفَخِذَ من الناس . فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحًا طيِّبَةً . فتأخذُهم تحت آباطِهم . فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ . ويبقى شِرارُ الناسِ ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ " . وفي رواية  : وزاد بعد قوله " - لقد كان بهذه ، مرة ، ماءً - ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبلِ الخمرِ . وهو جبلُ بيتِ المَقدسِ . فيقولون : لقد قتَلْنا مَن في الأرضِ . هَلُمَّ فلنقتلْ مَن في السماءِ . فيرمون بنُشَّابِهم إلى السماءِ . فيردُّ اللهُ عليهم نُشَّابَهم مخضوبةً دمًا " . وفي روايةِ ابنِ حجرٍ " فإني قد أنزلت عبادًا لي ، لا يَدَيْ لأحدٍ بقتالِهم " .) ([62] ) .

 (ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الدَّجَّالَ الغداةَ، فخَفضَ فيهِ ورفعَ، حتَّى ظننَّا أنَّهُ في طائفةِ النَّخلِ، فلمَّا رُحنا إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، عَرفَ ذلِكَ فينا، فقالَ : ما شأنُكُم؟ فقُلنا : يا رسولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ الغداةَ، فخفَضتَ فيهِ ثمَّ رفعتَ، حتَّى ظننَّا أنَّهُ في طائفةِ النَّخلِ، قالَ : غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُني عليكُم : إن يخرُج وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ، إنَّهُ شابٌّ قطَطٌ، عينُهُ قائمةٌ، كأنِّي أشبِّهُهُ بَعبدِ العزَّى بنِ قَطنٍ، فمَن رآهُ منكُم، فليقرَأْ علَيهِ فواتحَ سورةِ الكَهْفِ، إنَّهُ يخرُجُ مِن خلَّةٍ بينَ الشَّامِ، والعراقِ، فعاثَ يمينًا، وعاثَ شمالًا، يا عبادَ اللَّهِ اثبُتوا، قلنا : يا رسولَ اللَّهِ وما لبثُهُ في الأرضِ؟ قالَ أربعونَ يومًا، يومٌ كَسنةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كَجُمعةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم، قُلنا : يا رسولَ اللَّهِ فذلِكَ اليومُ الَّذي كسَنةٍ، تَكْفينا فيهِ صلاةُ يومٍ؟ قالَ: فاقدُروا لَهُ قدرَهُ، قالَ، قُلنا : فما إسراعُهُ في الأرضِ؟ قالَ : كالغَيثِ استَدبرتهُ الرِّيح، قالَ : فيأتي القومَ فيدعوهُم فيستَجيبونَ لَهُ، ويؤمنونَ بِهِ، فيأمرُ السَّماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرَ، ويأمرُ الأرضَ أن تُنْبِتَ فتُنْبِتَ، وتَروحُ عليهم سارحتُهُم أطولَ ما كانت ذُرًى، وأسبغَهُ ضروعًا، وأمدَّهُ خواصرَ، ثمَّ يأتي القومَ فيدعوهم فيردُّونَ علَيهِ قولَهُ، فينصرِفُ عنهم فيُصبحونَ مُمحِلينَ، ما بأيديهم شيءٌ، ثمَّ يمرَّ بالخَربَةِ، فيقولُ لَها : أخرِجي كُنوزَكِ فينطلقُ، فتتبعُهُ كنوزُها كيَعاسيبِ النَّحلِ، ثمَّ يَدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربُهُ بالسَّيفِ ضربةً، فيقطعُهُ جزلتينِ، رَميةَ الغرضِ، ثمَّ يَدعوهُ، فيقبلُ يتَهَلَّلُ وجهُهُ يَضحَكُ، فبينَما هم كذلِكَ، إذ بعثَ اللَّهُ عيسى ابنَ مريمَ، فينزلُ عندَ المَنارةِ البيضاءِ، شَرقيَّ دمشقَ، بينَ مَهْرودتينِ، واضعًا كفَّيهِ على أجنحةِ ملَكَينِ، إذا طأطأَ رأسَهُ قَطرَ، وإذا رفعَهُ ينحدِرُ منهُ جُمانٌ كاللُّؤلؤِ، ولا يحلُّ لِكافرٍ يجدُ ريحَ نَفَسِهِ إلَّا ماتَ، ونفَسُهُ ينتَهي حيثُ ينتَهي طرفُهُ، فينطلقُ حتَّى يُدْرِكَهُ عندَ بابِ لُدٍّ، فيقتلُهُ، ثمَّ يأتي نبيُّ اللَّهِ عيسى، قومًا قد عصمَهُمُ اللَّهُ، فيَمسحُ وجوهَهُم، ويحدِّثُهُم بدرجاتِهِم في الجنَّةِ، فبينَما هم كذلِكَ إذ أوحى اللَّهُ إليهِ : يا عيسى إنِّي قد أخرَجتُ عبادًا لي، لا يَدانِ لأحَدٍ بقتالِهِم، وأحرِزْ عبادي إلى الطُّورِ، ويبعَثُ اللَّهُ يأجوجَ، ومَأجوجَ، وَهُم كما قالَ اللَّهُ : مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فيمرُّ أوائلُهُم على بُحَيْرةِ الطَّبريَّةِ، فيَشربونَ ما فيها، ثمَّ يمرُّ آخرُهُم فيَقولونَ : لقد كانَ في هذا ماءٌ مرَّةً، ويحضر نبيُّ اللَّهِ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثَّورِ لأحدِهِم خيرًا مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ، فيرغَبُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُهُ إلى اللَّهِ، فيُرسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغفَ في رقابِهِم، فيُصبحونَ فَرسَى كمَوتِ نَفسٍ واحِدةٍ، ويَهْبطُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُهُ فلا يجِدونَ موضعَ شبرٍ إلَّا قد ملأَهُ زَهَمُهُم، ونَتنُهُم، ودماؤُهُم، فيرغَبونَ إلى اللَّهِ، فيرسلُ عليهم طيرًا كأعناقِ البُختِ، فتحمِلُهُم فتطرحُهُم حيثُ شاءَ اللَّهُ، ثمَّ يرسِلُ اللَّهُ علَيهِم مطرًا لا يُكِنُّ منهُ بيتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ، فيغسِلُهُ حتَّى يترُكَهُ كالزَّلقةِ، ثمَّ يقالُ للأرضِ : أنبِتي ثمرتَكِ، وردِّي برَكَتَكِ، فيومئذٍ تأكلُ العصابةُ منَ الرِّمَّانةِ، فتُشبعُهُم، ويستظلُّونَ بقِحفِها، ويبارِكُ اللَّهُ في الرِّسْلِ حتَّى إنَّ اللِّقحةَ منَ الإبلِ تَكْفي الفِئامَ منَ النَّاسِ، واللِّقحةَ منَ البقرِ تَكْفي القبيلةَ، واللِّقحةَ منَ الغنمِ تَكْفي الفخِذَ، فبينما هم كذلِكَ، إذ بعثَ اللَّهُ عليهم ريحًا طيِّبةً، فتأخذُ تَحتَ آباطِهِم، فتقبِضُ روحَ كلَّ مسلمٍ، ويبقى سائرُ النَّاسِ يتَهارجونَ، كما تتَهارجُ الحُمُرُ، فعلَيهِم تقومُ السَّاعةُ) ([63]) .

(ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غداةٍ ، فخفَّضَ فيهِ ورفَّعَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ ، فلمَّا رُحنا قال فانصَرفنا مِن عندِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ثمَّ رجَعنا إليه فعرفَ ذلك في وجوهِنا ، فقالَ  : ما شأنُكُم؟ قال: قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ الغداةَ فخفَّضتَ ، ورفَّعتَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ ، قال: غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُ لي عليكُم إن يخرُجْ وأَنا فيكُم ، فأَنا حَجيجُهُ دونَكُم ، وإن يخرُج ولستُ فيكُم فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ إنَّهُ شابٌّ قططٌ ، عَينُهُ قائمةٌ شبيه بعبدِ العزَّى بنِ قطنٍ ، فَمن رآهُ منكُم فليَقرأْ فواتحَ سورةِ أصحاب الكَهْفِ قال: يخرُجُ ما بينَ الشَّامِ والعِراقِ، فعاثَ يمينًا وَ شمالًا ، يا عبادَ اللَّهِ فاثبُتوا قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ وما لُبثُهُ في الأرضِ ؟ قال: أربَعين يومًا ، يومٌ كَسنةٍ، ويومٌ كشَهْرٍ، ويومٌ كجُمعةٍ ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم قال : قُلنا:  يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ اليومَ الَّذي كالسَّنةِ أتكفينا في صلاةُ يومٍ ؟ قال: لا ، ولكن اقدُروا لهُ. قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ فما سرعتُهُ في الأرضِ؟ قالَ: كالغيثِ استدبرتهُ الرِّيحُ فيأتي القومَ فيدعوهُم فيكذِّبونَهُ ويردُّونَ عليه قولَهُ فينصَرِفُ عنهُم فتتبعُهُ أموالُهم فيصبِحونَ ليسَ بأيديهِم شيءٌ. ثم يأتي القومَ فيدعوهُم فيستجيبونَ له ويصدِّقونَهُ ، فيأمرُ السَّماءَ أن تُمْطِرَ، فتُنبتُ، فتروحُ عليهم سارحتُهُم كأطوَلَ ما كانَت ذرًى، وأمدَّهُ خواصرَ، وأدرَّهُ ضروعًا، ثم يأتي الخَربةِ فيقولُ لَها: أخرِجي كنوزَكِ فينصرِفُ منها فتتبعُهُ كنوزُها كيعاسيب النَّحلِ ، ثم يدعو رجلًا شابا ممتلئًا شبابًا فيضربُهُ بالسَّيفِ فيقطعُهُ جزلتينِ ، ثمَّ يدعوهُ فيقبلُ يتَهَلَّلُ وجهُهُ يضحَكُ، فبينما هوَ كذلِكَ إذ هبطَ عيسى بنَ مريمَ بشرقيِّ دمشقَ عندَ المَنارةِ البيضاءِ بينَ مَهْرودتينِ، قال: ويمرُّ واضعًا يدَه على أجنحةِ ملَكَينِ ، إذ طَأطأَ رأسَهُ قطر ، وإذا رفَعهُ تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللُّؤلؤِ، قال: ولا يحلُّ لِكافرٍ يجدُ ريحَ نَفسِهِ – يعني أحدًا إلَّا ماتَ ، وريحُ نَفسِهِ مُنتهى بصرِهِ ، قال: فيطلُبُهُ حتَّى يدرِكَهُ بباب لدٍّ ، فَيقتلُهُ . قال :  فيَلبَثُ كذلِكَ ما شاء اللَّهُ ؟ قال : ثُمَّ يوحي اللَّهُ إليهِ أن جوِّزْ عِبادي إلى الطُّورِ فإنِّي قد أنزَلتُ عبادًا لي لا يَدَ لأحدٍ بقتالِهِم ، قالَ  : ويبعَثُ اللَّهُ يأجوجَ ومأجوجَ وَهُم كما قال اللَّه : وهم من كلِّ حدَب ينسِلونَ ، أولهم ببُحَيرَةٍ الطَّبريَّة فيشرب ما فيها ، ثم يمر بِها آخرُهُم فيقولونَ : لقد كان بهذه مرَّةً ماءٌ ، ، ثم يسيرونَ حتى ينتَهوا إلى جبلِ بيتِ المقدِسِ فيقولونَ  : لقد قتَلنا مَن في الأرضِ فهلمَّ فلنقتُلْ مَن في السَّماءِ ، فيرمون بنِشابِهم إلى السَّماءِ فيَردُّ اللَّهُ عليهم نِشابَهم مُحمرًّا دمًا، ويحاصَرُ عيسى بنُ مريَمَ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثورِ يومئذٍ خيرًا لهم مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ ، قال: فيرغبُ عيسى بنُ مريمَ إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال: فيرسلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغفَ في رقابِهِم فيُصبحونَ فَرسى مَوتى كمَوتِ نفسٍ واحدةٍ، قال: ويهبِطُ عيسَى وأصحابُهُ، فلا يجدُ موضعَ شبرٍ إلا وقد ملأته زَهمتُهم ونتَنُهم ودماؤهم. قال: ونتنُهُم فيرغبُ عيسى إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال، فيرسلُ اللَّهُ ، عليهم طيرًا كأعناقِ البُختِ ، فتحملُهُم فتطرحُهُم بالمهبَلِ ويستوقِدُ المسلِمونَ من قِسيِّهم ونشابِهم وجِعابِهم سبعَ سنينَ ، ويرسِلُ اللَّه علَيهِم مطرًا لا يَكُنُّ منهُ بيتُ وبَرٍ ولا مدَرٍ ، قال فيغسلُ الأرضَ فيترُكَها كالزَّلِفةِ ، قال ثمَّ يقالُ للأرضِ  : أخرِجي ثَمرَتكِ وردِّي برَكَتَكِ ، فيومَئذٍ تأكُلُ العِصابةُ منَ الرُّمَّانةِ ويستظِلُّونَ بقَحفِها ، ويبارِكُ في الرِّسلِ حتَّى أنَّ الفئامَ مِن النَّاسِ ليكتفونَ باللِّقحَةِ منَ الإبلِ ، وأنَّ القَبيلةَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من البَقَرِ ، وإن الفخِذَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من الغنَمِ، فبينما هم كذلِكَ إذ بعثَ اللَّهُ ريحًا فقبضَت روحَ كلِّ مؤمنٍ ، ويَبقى سائرُ النَّاسِ يتَهارجونَ كما يتَهارجَ الحُمُرِ ، فعلَيهِم تقومُ السَّاعةُ)  ( الراوي  : النواس بن سمعان،  المحدث: الألباني،  المصدر: صحيح الترمذي ، الصفحة أو الرقم : 2240 ،  خلاصة حكم المحدث: صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 16805

(ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدَّجَّالَ فقال إن يخرُجْ وأنا فيكم ! فأنا حجيجُه دونكم ، وإن يخرُجْ ولست فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِه ، واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ ، فمن أدركه منكم فليقرَأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهفِ، فإنَّها جِوارُكم من فتنتِه . قلنا: وما لُبثُه في الأرضِ ؟ قال  : أربعون يومًا  : يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ ، ويومٌ كجمعةٍ ، وسائرُ أيَّامِه كأيَّامِكم فقلنا: يا رسولَ اللهِ  : هذا اليومُ الَّذي كسَنةٍ أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ وليلةٍ ؟ قال  : لا ، اقدُروا له قدرَه ، ثمَّ ينزِلُ عيسَى بنُ مريمَ ، عند المنارةِ البيضاءِ شرقِيَّ دمشقَ فيُدرِكُه عند بابِ لُدٍّ فيقتُلُه) ( الراوي  : النواس بن سمعان ،  المحدث: الألباني ،  المصدر: صحيح أبي داود ، الصفحة أو الرقم : 4321 ،  خلاصة حكم المحدث : صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 16806

الفرع الخامس‏: ‏ كان يُظنُّ أنّ ابن صياد هو الدّجال

‏عَنْ ‏ابْنِ عُمَرَ‏ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ ‏بِابْنِ صَائِدٍ ‏فِي نَفَرٍ ‏مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ ‏أُطُمِ ‏بَنِي مَغَالَةَ ‏وَهُوَ غُلامٌ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ ‏قَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأمِّيِّينَ ثُمَّ قَالَ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏لِلنَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏مَا يَأْتِيكَ قَالَ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏خُلِطَ عَلَيْكَ الأمْرُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئَةً وَخَبَّأَ لَهُ ‏‏‏( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

قَالَ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ ‏عُمَرُ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏إِنْ يَكُنْ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ‏يَعْنِي ‏الدَّجَّالَ ‏وَإِلا يَكُنْ هُوَ فَلا خَيْرَ فِي قَتْلِهِ (سنن أبي داوود 3768؛  سنن الترمذي 2175 الفتن ‏قال ‏أبو عيسى ‏هذا ‏حديث حسن صحيح؛ صحيح مسلم الفتن وأشراط السّاعة 5207).

وشرحه في عون المعبود شرح سنن أبي داود:

( وَهُوَ ) ‏: أَيْ اِبْن صَائِد وَالْوَاو لِلْحَالِ ‏( يَلْعَب مَعَ الْغِلْمَان ) ‏: جَمْع الْغُلام ... ‏( ثُمَّ قَالَ اِبْن صَيَّاد لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه ) ‏: زَادَ فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ فَرَفَضَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.  قَالَ النَّوَوِيّ: أَيْ تَرَكَ سُؤَاله الإسْلام لِيَأْسِهِ مِنْهُ حِينَئِذٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي سُؤَاله عَمَّا يَرَى. وَفِي الْمِشْكَاة فَرَصَّهُ بِتَشْدِيدِ الصَّاد الْمُهْمَلَة. قَالَ الْقَارِي: أَيْ ضَغَطَهُ حَتَّى ضَمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض اِنْتَهَى. ( فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنْت بِاَللَّهِ وَرُسُله ) ‏: فَإِنْ قِيلَ كَيْف لَمْ يَقْتُلهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ اِدَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّة ؟ فَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ كَانَ غَيْر بَالِغ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّام مُهَادَنَة الْيَهُود وَحُلَفَائِهِمْ .

‏وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِم السُّنَن بِهَذَا الْجَوَاب الثَّانِي . قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّمَا جَرَتْ مَعَهُ أَيَّام مُهَادَنَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُود وَحُلَفَائِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْد مَقْدَمِهِ الْمَدِينَة كَتَبَ بَيْنه وَبَيْن الْيَهُود كِتَاباً وَصَالَحَهُمْ فِيهِ عَلَى أَنْ لا يُهَاجِمُوا وَيَتْرُكُوا أَمْرهمْ وَكَانَ اِبْن صَيَّاد مِنْهُمْ أَوْ دَخِيلا فِي جُمْلَتهمْ، وَكَانَ يَبْلُغ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَره وَمَا يَدَّعِيه مِنْ الْكِهَانَة وَيَتَعَاطَاهُ مِنْ الْغَيْب فَامْتَحَنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ لِيَرُوزَ أَمْره وَيَخْبُر شَأْنه ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ عَلِمَ أَنَّهُ مُبْطِل وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة السَّحَرَة أَوْ الْكَهَنَة أَوْ مِمَّنْ يَأْتِيه رِئْي مِنْ الْجِنّ أَوْ يَتَعَاهَدهُ شَيْطَان فَيُلْقِي عَلَى لِسَانه بَعْض مَا يَتَكَلَّم اِنْتَهَى مُخْتَصَراً .

‏( مَا يَأْتِيك) ‏: أَيْ مِنْ أَخْبَار الْغَيْب وَنَحْوه ‏( قَالَ) ‏: أَيْ اِبْن صَيَّاد ‏(صَادِق) ‏: أَيْ خَبَر صَادِق ‏(وَكَاذِب) ‏: أَيْ خَبَر كَاذِب . ‏قَالَ الْقَارِي: وَقِيلَ حَاصِل السُّؤَال أَنَّ الَّذِي يَأْتِيك مَا يَقُول لَك ، وَمُجْمَل الْجَوَاب أَنَّهُ يُحَدِّثنِي بِشَيْءٍ قَدْ يَكُون صَادِقاً وَقَدْ يَكُون كَاذِباً ‏(خُلِّطَ عَلَيْك الأمْر) ‏: بِصِيغَةِ الْمَجْهُول مُشَدَّداً لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِير وَيَجُوز تَخْفِيفه أَيْ شُبِّهَ عَلَيْك الأمْر أَيْ الْكَذِب بِالصِّدْقِ . قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّه: أَيْ مَا يَأْتِيك بِهِ شَيْطَانك مُخَلَّط.

‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَارَات يُصِيب فِي بَعْضهَا وَيُخْطِئ فِي بَعْضهَا فَلِذَلِكَ اِلْتَبَسَ عَلَيْهِ الأمْر:‏( قَدْ خَبَّأْت لَك ) ‏: أَيْ أَضْمَرْت لَك فِي نَفْسِي ‏( خَبِيئَة ) ‏: أَيْ كَلِمَة مُضْمَرَة لِتُخْبِرنِي بِهَا ‏( هُوَ الدُّخّ ) ‏‏: قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد الْخَاء وَهِيَ لُغَة فِي الدُّخَان ، وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَان وَأَنَّهَا لُغَة فِيهِ ، وَخَالَفَهُمْ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ لا مَعْنَى لِلدُّخَانِ هُنَا لأنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُخَبَّأ فِي كَفّ أَوْ كُمّ كَمَا قَالَ إِلا أَنْ يَكُون مَعْنَى خَبَّأْت أَضْمَرْت لَك اِسْم الدُّخَان فَيَجُوز ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْمَرَ لَهُ آيَة الدُّخَان وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين  .{   قَالَ الْقَاضِي (أنظر كذلك صحيح مسلم بشرح النّووي): وَأَصَحّ الأقْوَال أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنْ الآيَة الَّتِي أَضْمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا لِهَذَا اللَّفْظ النَّاقِص عَلَى عَادَة الْكُهَّان إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَان إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطَف قَبْل أَنْ يُدْرِكهُ الشِّهَاب، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك ".  قال صاحب اللمعات: هذا إما لكونه صلى الله عليه وسلم تكلم في نفسه أو كلم بعض أصحابه فسمعه الشيطان فألقاه إليه ‏( تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي ح 2175،  صحيح مسلم بشرح النووي ألفتن وأشراط السّاعة ح 5207).

‏( اِخْسَأْ ) ‏: بِفَتْحِ السِّين وَسُكُون الْهَمْزَة كَلِمَة تُسْتَعْمَل عِنْد طَرْد الْكَلْب مِنْ الْخُسُوء وَهُوَ زَجْر الْكَلْب ‏‏( فَلَنْ تَعْدُوَ ) ‏: بِضَمِّ الدَّال أَيْ فَلَنْ تُجَاوِز ‏( قَدْرك )‏: أَيْ الْقَدْر الَّذِي يُدْرِكهُ الْكُهَّان مِنْ الاهْتِدَاء إِلَى بَعْض الشَّيْء قَالَهُ النَّوَوِيّ (صحيح مسلم بشرح النّووي): وَقَالَ الطِّيبِيّ: أَيْ لا تَتَجَاوَز عَنْ إِظْهَار الْخَبِيئَات عَلَى هَذَا الْوَجْه كَمَا هُوَ دَأْب الْكَهَنَة إِلَى دَعْوَى النُّبُوَّة فَتَقُول أَتَشَهَد أَنِّي رَسُول اللَّه ‏( إِنْ يَكُنْ ) ‏: أَيْ إِنْ يَكُنْ هَذَا دَجَّالا ( فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ ) ‏: بِصِيغَةِ الْمَجْهُول أَيْ لا تَقْدِر عليه ‏( يَعْنِي الدَّجَّال ) ‏: هَذَا تَفْسِير لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُور فِي قَوْله عَلَيْهِ مِنْ بَعْض الرُّوَاة ‏( وَإِنْ لا يَكُنْ هُوَ ) : لَيْسَ فِي بَعْض النُّسَخ لَفْظ هُوَ، وَهُوَ خَبَر كَانَ وَاسْمه مُسْتَكِنّ فِيهِ وَكَانَ حَقّه أَنْ يُكِنّهُ فَوَضَعَ الْمَرْفُوع الْمُنْفَصِل مَوْضِع الْمَنْصُوب الْمُتَّصِل عَكْس قَوْلهمْ لَوْلاهُ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَأْكِيداً لِلْمُسْتَكِنِّ وَالْخَبَر مَحْذُوفاً عَلَى تَقْدِير إِنْ لا يَكُنْ هُوَ الدَّجَّال ‏( فَلا خَيْر فِي قَتْله ) ‏: أَيْ لِكَوْنِهِ صَغِيراً أَوْ ذِمِّيّاً أَوْ كَوْن كَلامه مُحْتَمِلا فِيهِ أَقْوَال وَقَدْ جَزَمَ الْخَطَّابِيّ رَحِمَهُ اللَّه بِالْقَوْلِ الثَّانِي (عون المعبود شرح سنن أبي داود،  صحيح مسلم بشرح النووي) .

‏قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ فِي حَدِيثهمْ خَبَّأَ لَهُ ( يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين ): وَالإسْنَاد الَّذِي خَرَّجَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ رِجَاله ثِقَات

ظهور الدّجال من علامات السّاعة، وكان يُظنُّ أنّ ابن صياد هو الدّجال.  وبالتالي كان من المناسب أن يخبيء له الرّسولُ -‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  الدّخان الّذي هو من علامات السّاعةً أيضا ( فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين).

الفرع السادس: لم يسلَّط علَى الدَّجَّالِ إلَّا عيسَى ابنُ مَريمَ: يخرجُ الدجَّالُ في أمتي فيمكثُ أربعينَ. فيبعثُ اللهُ عيسى بنَ مريمَ فيطلبُه فيهلكُه . ثم يمكث الناسُ سبعَ سنينَ . ليس بين اثنين عداوةٌ. ثم يرسل اللهُ ريحًا باردةً من قِبَلِ الشأمِ . فلا يبقى على وجه الأرضِ أحدٌ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلا قبضتْه . فيبقى شرارُ الناسِ، ثم يُنفخُ في الصُّورِ، ويُصعقُ الناسُ

(بينَما أَنا يومًا وغلامٌ منَ الأنصارِ نرمي غرضًا لَنا على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى إذا كانتِ الشَّمسُ على قَدرِ رُمحَينِ أو ثلاثةٍ في عينِ النَّاظرِ في الأفقِ، اسودَّت حتَّى آضَت كأنَّها تنُّومةٌ، فقالَ أحدُنا لصاحبِهِ : انطلق بنا إلى المسجِدِ، فواللَّهِ ليُحْدِثَنَّ شأنُ هذِهِ الشَّمسِ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في أمَّتِهِ حدثًا. فدفَعنا إلى المسجدِ، فإذا هوَ بارزٌ، فوافَقنا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ خرجَ إلى النَّاسِ، قالَ : فتقدَّمَ وصلَّى بِنا كأطولِ ما قامَ بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمَعُ لَهُ صوتَهُ، ثمَّ سجدَ بنا كأطولِ ما سجدَ بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمعُ لَهُ صوتَهُ، قالَ : ثمَّ سلَّمَ، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وشَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وشهِدَ أنَّهُ عبدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ قالَ : يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما أَنا بَشرٌ ورسولُ اللَّهِ، فأذَكِّرُكُمُ اللَّهَ إن كنتُمْ تعلَمونَ أنِّي قصَّرتُ عن شيءٍ مِن تبليغِ رِسالاتِ ربِّي لما أخبَرتُموني حتَّى أبلِّغَ رِسالاتِ ربِّي كَما ينبَغي أن تبلَّغَ، وإن كنتُمْ تعلمونَ أنِّي قد بلَّغتُ رِسالاتِ ربِّي لما أخبرتُموني قالَ : فقامَ النَّاسُ فقالوا : نشهدُ أنَّكَ قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّكَ، ونصَحتَ لأمَّتِكَ، وقَضيتَ الَّذي عليكَ . قالَ : ثمَّ سَكَتوا، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : أمَّا بعدُ، فإنَّ رجالًا يزعُمونَ أنَّ كُسوفَ هذِهِ الشَّمسِ، وَكُسوفَ هذا القمرِ، وزوالَ هذِهِ النُّجومِ عن مطالعِها لِموتِ رجالٍ عظماءَ من أَهْلِ الأرضِ، وأنَّهم كذَبوا، ولَكِن آياتٌ من آياتِ اللَّهِ يفتنُ بِها عبادَهُ لينظرَ مَن يُحدِثُ منهم تَوبةً، واللَّهِ لقد رأيتُ منذُ قمتُ أصلِّي ما أنتُمْ لاقونَ في دُنْياكم وآخرَتِكُم، وأنَّهُ واللَّهِ لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يخرجَ ثلاثونَ كذَّابًا، آخرُهُمُ الأعوَرُ الدَّجَّالُ مَمسوحُ العَينِ اليسرى كأنَّها عينُ أبي يحيى لشَيخٍ منَ الأنصارِ، وأنَّهُ متَى خرجَ فإنَّهُ يزعُمُ أنَّهُ اللَّهُ، فمَن آمنَ بِهِ وصدَّقَهُ واتَّبعَهُ فليسَ ينفعُهُ صالحٌ من عملٍ سلَفَ، ومن كفرَ بِهِ وَكَذَّبَهُ فليسَ يعاقَبُ بشيءٍ من عملِهِ سلفَ، وأنَّهُ سيظهرُ على الأرضِ كُلِّها إلَّا الحرمَ وبيتَ المقدسِ، وأنَّهُ يحصُر المؤمنينَ في بيتِ المقدسِ فيتزَلزلونَ زلزالًا شديدًا فيصبِحُ فيهم عيسى ابنُ مريمَ فيَهْزمُهُ اللَّهُ وجنودُهُ، حتَّى أنَّ أَجذُمَ الحائطِ وأصلَ الشَّجر ليُنادي : يا مؤمنُ، هذا كافرٌ يستترُ بي، فتعالَ اقتُلهُ، قالَ : فلن يَكونَ ذلِكَ حتَّى ترون أمورًا يتفاقَمُ شأنُها في أنفسِكُم، تساءلونَ بينَكُم: هَل كانَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذَكَرَ لَكُم منها ذِكْرًا، وحتَّى تزولَ جبالٌ عن مَراسيها، ثمَّ على أثرِ ذلِكَ القَبضُ، وأشارَ بيدِهِ . قالَ : ثمَّ شَهِدْتُ خطبةً أخرى قالَ : فذَكَرَ هذا الحديثَ ما قدَّمَها ولا أخَّرَها) ([64]) .

يخرجُ مع الدجال اليهودُ: (ما يُبكيكِ ؟ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ! ذكرتَ الدجالَ ، قال: فلا تَبْكِينَ ، فإن يخرجُ وأنا حيٌّ أكفيكُمُوه، وإن مُتُّ فإنَ ربَّكم ليس بأعورَ ، وإنَّهُ يخرجُ معه اليهودُ ، فيسيرُ حتى ينزلَ بناحيةِ المدينةِ، وهي يومئذٍ لها سبعةُ أبوابٍ ، على كلِّ بابٍ ملَكانِ ، فيُخرجُ اللهُ شرارَ أهلِها ، فينطلقُ [ حتى ] يأتي ( لُدًّا ) ، فينزلُ عيسى ابنُ مريمَ فيقتلُه ، ثم يلبثُ عيسى في الأرضِ أربعين سنةً؛ [ أو قريبًا من أربعين سنةً ] إمامًا عدلًا، وحكمًا مقسطًا) ( الراوي: عائشة أم المؤمنين،  المحدث  : الألباني ،  المصدر: صحيح الموارد ، الصفحة أو الرقم : 1599 ،  خلاصة حكم المحدث  : حسن صحيح).

 (يمكثُ عيسَى في الأرضِ بعد ما ينزلُ أربعينَ سنةً ثمَّ يموتُ ويصلِّي عليه المسلمونَ ويدفنوهُ) ([65]) .

(إنَّ الأعورَ الدجالَ – مسيحُ الضلالةِ – يخرجُ من قِبلِ المشرقِ ، في زمانِ اختلافٍ من الناسِ وفُرقةٍ ، فيبلغُ ما شاء اللهُ من الأرضِ في أربعين يومًا، [ اللهُ ] أعلمُ ما مقدارَها، اللهُ أعلمُ ما مقدارَها (مرتين)؟ ! ويُنزلُ [ اللهُ ] عيسى ابن مريمَ ؛ فيَؤُمَّهم ، فإذا رفع رأسَه من الركعةِ قال  : سمع اللهُ لمن حمدَه ، قتل اللهُ الدجالَ وأظهرَ المؤمنين) ([66] ) .

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: ([67]) ، ([68]) ، ([69]) ، ([70]) ، ([71]) ، ([72]) ، ([73]) ، ([74]) ، ([75]) ، ([76]) ، ([77]) ، ([78]) ، ([79]) ، ([80]) ، ([81]) ، ([82]) ، ([83])، ([84] )، ([85])، ([86]) .

الفرع السابع: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال  : وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ

يقول تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (الزخرف 57).  وعن عبدالله بن عباس: (لقد عُلِّمْتُ آيةً من القرآنِ ما سألني عنها رجلٌ قطُّ فما أدري أَعَلِمها الناسُ فلم يسألوا عنها أم لم يَفْطِنوا لها فيسألوا عنها ثم طَفِقَ يُحدِّثنا فلما قام تلاومنا أن لا نكونَ سألناهُ عنها فقلتُ  : أنا لها إذا راح غدًا فلما راح الغدَ قلتُ  : يا ابنَ عباسٍ ذكرتَ أمسَ أنَّ آيةً من القرآنِ لم يسألك عنها رجلٌ قطُّ فلا تدري أعلمها الناسُ فلم يسألوا عنها أم لم يَفطنوا لها فقلتُ  : أَخْبِرْني عنها وعن اللاتي قرأتَ قبلها قال: نعم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال لقريشٍ  : يا معشرَ قريشٍ إنَّهُ ليس أحدٌ يُعْبَدُ من دونِ اللهِ فيهِ خيرٌ.  وقد عَلِمَتْ قريشٌ أنَّ النصارى تعبدُ عيسى بنَ مريمَ وما تقولُ في محمدٍ فقالوا: يا محمدُ ألست تزعمُ أنَّ عيسى كان نبيًّا وعبدًا من عبادِ اللهِ صالحًا فلئن كنتَ صادقًا فإنَّ آلهتهم لكما تقولون قال: فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قال  : قلتُ  : ما يصِدُّون قال  : يضجُّون { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال  : وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ) ([87] ) .

للمزيد من طرق الحديث وأطرافه أنظر الحواشي: ([88] ) ([89]) ، ([90]) ، ([91] ) ، ([92]) ، ([93]) ، ([94]) ، ([95]) ، ([96]) ، ([97]) .

وتفسير الحديث: ( تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد) هذا لمن رضي أن يعبد من دون الله.  أمّا بالنسبة لعيسى عليه السلام فإنّه رسولٌ يهدي إلى عبادة الله الواحد الفرد الصمد.  لذا (يُمثَّلُ لمن كانَ يَعبدُ عيسَى شيطانُ عيسَى، ويُمثَّلُ لمن كانَ يَعبدُ عُزَيْرًا شيطانُ عُزَيْرٍ).  وهذا ما تبينه الأحاديث في أواخر الكتاب، ومنها قولُ رسولنا صلى الله عليه وسلّم: (يجمَعُ اللَّهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ أربَعينَ سنةً ، شاخصةً أبصارُهُم إلى السَّماءِ ينتظرونَ فصلَ القضاء ، وينزلُ اللَّهُ في ظُللٍ منَ الغمامِ منَ العرشِ إلى الكرسيِّ ثمَّ يُنادي مُنادٍ أيُّها النَّاسُ ألَم تَرضوا مِن ربِّكمُ الَّذي خلقَكُم ورزقَكُم وأمرَكُم أن تعبُدوهُ ولا تُشرِكوا بهِ شيئًا أن يولِّيَ كلَّ ناسٍ ما كان يتَولَّى ويعبُدُ في الدُّنيا أليسَ ذلِكَ عدلًا مِن ربِّكم قالوا بلَى فينطلِقونَ فيتمثَّلُ لَهُم أشباهُ ما كانوا يعبُدونَ فَمِنْهُم مَن ينطلقُ إلى الشَّمسِ وَمِنْهُم مَن ينطلقُ إلى القمَرِ وإلى الأوثانِ ويتمثَّلُ لمن كانَ يعبُدُ عيسَى شيطانُ عيسَى ولِمَن كانَ يعبدُ عُزَيْرًا شيطانُ عُزَيْرٍ ويبقى محمَّدٌ وأُمَّتُه فيتمثَّلُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ لهم فيأتيهِم فيقولُ ما لَكُم لا تنطلِقونَ كما انطلقَ النَّاسُ فيقولونَ بينَنا وبينَهُ علامةً فإذا رأَيناه عرَفناه فيقولُ ما هي فيقولونَ يَكْشفُ عن ساقٍ فعندَ ذلِكَ يُكْشفُ عن ساقِهِ فيخرُّون ويبقَى قومٌ ظُهورُهُم كصَياصيِّ البقَرِ يريدونَ السُّجودَ فلا يَستَطيعونَ ثمَّ يقولُ ارفَعوا رؤوسَكُم فيعطيهِم نورَهُم علَى قدرِ أعمالِهِم والرَّبُّ عزَّ وجلَّ أمامَهُم) ([98]).

(وإنّه لعلم للساعة): عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61).  الصَّحِيح أَنَّهُ عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّ السِّيَاق فِي ذِكْره ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته " أَيْ قَبْل مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكُون عَلَيْهِمْ شَهِيدًا " ... قَالَ مُجَاهِد " وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ " أَيْ آيَة لِلسَّاعَةِ خُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي مَالِك وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا (ابن كثير) .

إِنَّهُ خُرُوج عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَام السَّاعَة . لِأَنَّ اللَّه يُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء قُبَيْل قِيَام السَّاعَة ، كَمَا أَنَّ خُرُوج الدَّجَّال مِنْ أَعْلَام السَّاعَة .  وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَقَتَادَة وَمَالِك بْن دِينَار وَالضَّحَّاك " وَإِنَّهُ لَعَلَم لِلسَّاعَةِ " ( بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام ) أَيْ أَمَارَة .(القرطبي).

(عنِ ابنِ عباسٍ ، رضي اللهُ عنهما ، قال: إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ، قال: نُزولُ عيسَى ابنِ مريمَ ، عليه السلامُ) (الراوي : - ، المحدث : البوصيري ، المصدر : إتحاف الخيرة المهرة، الصفحة أو الرقم: 8/141 ، خلاصة حكم المحدث : موقوف ورواته ثقات

المبحث الثاني: رحمة الله لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ يُؤْمِنُونَ

وفيما يلي آيات الرحمة:

الفرع الأول: رحمة النبوة ورحمة الأنبياء

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) (هود 28).  يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا رَدَّ بِهِ نُوح عَلَى قَوْمه فِي ذَلِكَ " أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي " أَيْ عَلَى يَقِين وَأَمْر جَلِيّ وَنُبُوَّة صَادِقَة وَهِيَ الرَّحْمَة الْعَظِيمَة مِنْ اللَّه بِهِ وَبِهِمْ " فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ " أَيْ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ فَلَمْ تَهْتَدُوا إِلَيْهَا وَلَا عَرَفْتُمْ قَدْرهَا بَلْ بَادَرْتُمْ إِلَى تَكْذِيبهَا وَرَدّهَا " أَنُلْزِمُكُمُوهَا " أَيْ نَغْصِبكُمْ بِقَبُولِهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (ابن كثير).  وكذلك الآية: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (هود 63).  " قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي " فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ عَلَى يَقِين وَبُرْهَان " وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَة فَمَنْ يَنْصُرنِي مِنْ اللَّه إِنْ عَصَيْته " وَتَرَكْت دَعْوَتكُمْ إِلَى الْحَقّ وَعِبَادَة اللَّه وَحْده فَلَوْ تَرَكْته لَمَا نَفَعْتُمُونِي وَلَمَا زِدْتُمُونِي" غَيْر تَخْسِير " أَيْ خَسَارَة (ابن كثير).

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107).  يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ اللَّه جَعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ أَيْ أَرْسَلَهُ رَحْمَة لَهُمْ كُلّهمْ فَمَنْ قَبِلَ الرَّحْمَة وَشَكَرَ هَذِهِ النِّعْمَة سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَنْ رَدَّهَا وَجَحَدَهَا خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار " وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَة الْقُرْآن " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانهمْ وَقْر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد " وَقَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر حَدَّثَنَا مَرْوَان الْفَزَارِيّ عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَان عَنْ اِبْن أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قِيلَ يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ " إِنِّي لَمْ أُبْعَث لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْت رَحْمَة " اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِم  ([99]) (ابن كثير).  وفيما يلي شرح الحديث: إِنِّي لَم أُبعثْ لَعَّانًا، أي: مُبالِغًا في اللَّعنِ، أي: الإبعادِ عنِ الرَّحمةِ؛ يَعني: لَو كُنتُ أَدعو عَليهمْ لأُبْعِدوا عنْ رَحمةِ اللهِ، ولصِرْتُ قاطِعًا عنِ الخيرِ؛ إِنِّي لم أُبعَثْ لهَذا، وإنَّما بُعِثتُ رَحمةً، أي: للنَّاسِ عامَّةً، وللمُؤمنينَ خاصَّةً.

في الحديثِ: النَّهيُ عنِ اللَّعنِ.  وفيهِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بُعِثَ رَحمةً للعالَمينَ.

 (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص 46).  وَمَعْنَى الْآيَة مَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ كَلَّمْنَا مُوسَى فَنَادَيْنَا أُمَّتك (في أصلاب آبائهم) وَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا كَتَبْنَاهُ لَك وَلِأُمَّتِك مِنْ الرَّحْمَة إِلَى آخِر الدُّنْيَا (القرطبي).

(وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) (القصص 86).  "وَمَا كُنْت تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْك الْكِتَاب " أَيْ مَا كُنْت تَظُنّ قَبْل إِنْزَال الْوَحْي إِلَيْك أَنَّ الْوَحْي يَنْزِل عَلَيْك " وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك " أَيْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْوَحْي عَلَيْك مِنْ اللَّه مِنْ رَحْمَته بِك وَبِالْعِبَادِ بِسَبَبِك فَإِذَا مَنَحَك بِهَذِهِ النِّعْمَة الْعَظِيمَة " فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا " أَيْ مُعِينًا " لِلْكَافِرِينَ " وَلَكِنْ فَارِقْهُمْ وَنَابِذْهُمْ وَخَالِفْهُمْ (ابن كثير).

(إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) (الإسراء 87).  يَذْكُر تَعَالَى نِعْمَته وَفَضْله الْعَظِيم عَلَى عَبْده وَرَسُوله الْكَرِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنْ الْقُرْآن الْمَجِيد الَّذِي لَا يَأْتِيه الْبَاطِل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفه تَنْزِيل مِنْ حَكِيم حَمِيد (ابن كثير).

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف 32 ).  " أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَة رَبّك " أَيْ لَيْسَ الْأَمْر مَرْدُودًا إِلَيْهِمْ بَلْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَاَللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَاته فَإِنَّهُ لَا يُنَزِّلُهَا إِلَّا عَلَى أَزْكَى الْخَلْق قَلْبًا وَنَفْسًا وَأَشْرَفَهُمْ بَيْتًا وَأَطْهَرهمْ أَصْلًا ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ مُبَيِّنًا أَنَّهُ قَدْ فَاوَتَ بَيْن خَلْقه فِيمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَرْزَاق وَالْعُقُول وَالْفُهُوم وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقُوَى الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة فَقَالَ " نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنهمْ مَعِيشَتهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا" .... ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " وَرَحْمَة رَبّك خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " أَيْ رَحْمَة اللَّه بِخَلْقِهِ خَيْر لَهُمْ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَال وَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا (ابن كثير).

(أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الدخان 5-6 ).  "أَمْرًا مِنْ عِنْدنَا " أَيْ جَمِيع مَا يَكُون وَيُقَدِّرهُ اللَّه تَعَالَى وَمَا يُوحِيه فَبِأَمْرِهِ وَإِذْنه وَعِلْمه " إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ" أَيْ إِلَى النَّاس رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَات اللَّه مُبَيِّنَات فَإِنَّ الْحَاجَة كَانَتْ مَاسَّة إِلَيْهِ.  " رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ " أَيْ الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآن هُوَ رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض (ابن كثير).

(ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (مريم 2).  أَيْ هَذَا ذِكْر رَحْمَة اللَّه بِعَبْدِهِ زَكَرِيَّا (ابن كثير).

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء 84).  وَقَوْله " رَحْمَة مِنْ عِنْدنَا " أَيْ فَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ رَحْمَة مِنْ اللَّه بِهِ (ابن كثير).

 (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود 73).  أَيْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة لَهَا (زوج إبراهيم عليه السلام) لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْر اللَّه فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون . فَلَا تَعْجَبِي مِنْ هَذَا وَإِنْ كُنْت عَجُوزًا عَقِيمًا وَبَعْلك شَيْخًا كَبِيرًا فَإِنَّ اللَّه عَلَى مَا يَشَاء قَدِير " رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت إِنَّهُ حَمِيد مَجِيد " أَيْ هُوَ الْحَمِيد فِي جَمِيع أَفْعَاله وَأَقْوَاله مَحْمُود مُمَجَّد فِي صِفَاته وَذَاته (ابن كثير).  (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر 56).  فَأَجَابَهُمْ (إبراهيم عليه السلام) بِأَنَّهُ لَيْسَ يَقْنَط وَلَكِنْ يَرْجُو مِنْ اللَّه الْوَلَد وَإِنْ كَانَ قَدْ كَبِرَ وَأَسَنَّتْ اِمْرَأَته فَإِنَّهُ يَعْلَم مِنْ قُدْرَة اللَّه وَرَحْمَته مَا هُوَ أَبْلَغ مِنْ ذَلِكَ (ابن كثير).

(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) (الإسراء 28).  أَيْ إِذَا سَأَلَك أَقَارِبك وَمَنْ أَمَرْنَاك بِإِعْطَائِهِمْ وَلَيْسَ عِنْدك شَيْء وَأَعْرَضْت عَنْهُمْ لِفَقْدِ النَّفَقَة " فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا " أَيْ عِدْهُمْ وَعْدًا بِسُهُولَةٍ وَلِين إِذَا جَاءَ رِزْق اللَّه فَسَنَصِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّه (ابن كثير).

(وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (ص 43).  وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " رَحْمَة مِنَّا " أَيْ بِهِ عَلَى صَبْره (أيوب) وَثَبَاته وَإِنَابَته وَتَوَاضُعه وَاسْتِكَانَته (ابن كثير).

الفرع الثاني: رحمة الله بعباده الصالحين

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة 218)

(أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر 9).  يَحْذَر الْآخِرَة وَيَرْجُو رَحْمَة رَبّه " أَيْ فِي حَال عِبَادَته خَائِف رَاجٍ وَلَا بُدَّ فِي الْعِبَادَة مِنْ هَذَا وَهَذَا وَأَنْ يَكُون الْخَوْف فِي مُدَّة الْحَيَاة هُوَ الْغَالِب وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " يَحْذَر الْآخِرَة وَيَرْجُو رَحْمَة رَبّه " فَإِذَا كَانَ عِنْد الِاحْتِضَار فَلْيَكُنْ الرَّجَاء هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ ... (ابن كثير).

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (غافر 7 ).  يَقُولُونَ إِذَا اِسْتَغْفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا " رَبَّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا " أَيْ رَحْمَتك تَسَعُ ذُنُوبهمْ وَخَطَايَاهُمْ وَعِلْمك مُحِيط بِجَمِيعِ أَعْمَالهمْ وَأَقْوَالهمْ وَحَرَكَاتهمْ وَسَكَنَاتهمْ " فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلك " أَيْ فَاصْفَحْ عَنْ الْمُسِيئِينَ إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَات وَتَرْك الْمُنْكَرَات" وَقِهمْ عَذَاب الْجَحِيم " أَيْ وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَاب الْجَحِيم وَهُوَ الْعَذَاب الْمُوجِع الْأَلِيم (ابن كثير).

 (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران 8).  ثَبِّتْنَا عَلَى صِرَاطك الْمُسْتَقِيم وَدِينك الْقَوِيم" وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة " تُثَبِّت بِهَا قُلُوبنَا وَتَجْمَع بِهَا شَمْلنَا وَتَزِيدنَا بِهَا إِيمَانًا وَإِيقَانًا (ابن كثير).

(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (النساء 175).  "فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفَضْل " أَيْ يَرْحَمهُمْ فَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة وَيَزِيدهُمْ ثَوَابًا وَمُضَاعَفَة وَرَفْعًا فِي دَرَجَاتهمْ مِنْ فَضْله عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ (ابن كثير).

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (الكهف 10).  أَيْ هَبْ لَنَا مِنْ عِنْدك رَحْمَة تَرْحَمنَا بِهَا وَتَسْتُرنَا عَنْ قَوْمنَا (ابن كثير).

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (الكهف 65).  وَهَذَا هُوَ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ابن كثير).  يقول القرطبي: وَالْخَضِر نَبِيّ عِنْد الْجُمْهُور . وَقِيلَ : هُوَ عَبْد صَالِح غَيْر نَبِيّ ، وَالْآيَة تَشْهَد بِنُبُوَّتِهِ لِأَنَّ بَوَاطِن أَفْعَاله لَا تَكُون إِلَّا بِوَحْيٍ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَان لَا يَتَعَلَّم وَلَا يَتَّبِع إِلَّا مَنْ فَوْقه ، وَلَيْسَ يَجُوز أَنْ يَكُون فَوْق النَّبِيّ مَنْ لَيْسَ نَبِيّ.  الرَّحْمَة فِي هَذِهِ الْآيَة النُّبُوَّة وَقِيلَ : النِّعْمَة (القرطبي).

(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (الكهف 80-81).  (وَأَقْرَبَ رُحْمًا) : أَيْ دِينًا وَصَلَاحًا (القرطبي).

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف 82).  أَيْ هَذَا الَّذِي فَعَلْته فِي هَذِهِ الْأَحْوَال الثَّلَاثَة إِنَّمَا هُوَ مِنْ رَحْمَة اللَّه بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَصْحَاب السَّفِينَة وَوَالِدَيْ الْغُلَام وَوَلَدَيْ الرَّجُل الصَّالِح وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي أَيْ لَكِنِّي أُمِرْت بِهِ وَوَقَفْت عَلَيْهِ وَفِيهِ دَلَالَة لِمَنْ قَالَ بِنُبُوَّةِ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام (ابن كثير).

الفرع الثالث: خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي

 (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (الإسراء 100).  قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد لَوْ أَنَّكُمْ أَيّهَا النَّاس تَمْلِكُونَ التَّصَرُّف فِي خَزَائِن اللَّه لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَة الْإِنْفَاق قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : أَيْ الْفَقْر أَيْ خَشْيَة أَنْ تُذْهِبُوهَا مَعَ أَنَّهَا (خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) لَا تَفْرُغ وَلَا تَنْفَد أَبَدًا (ابن كثير).

(أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) (ص 9 ).  أَيْ الْعَزِيز الَّذِي لَا يُرَام جَنَابه الْوَهَّاب الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيد لِمَنْ يُرِيد وَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة شَبِيهَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ لَهُمْ نَصِيب مِنْ الْمُلْك فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاس نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيم الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَة الْإِنْفَاق وَكَانَ الْإِنْسَان قَتُورًا " وَذَلِكَ بَعْد الْحِكَايَة عَنْ الْكُفَّار أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بَعْثَة الرَّسُول الْبَشَرِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ابن كثير).

الفرع الرابع: رحمة الله بعباده

 (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف 156)

قَالَ" عَذَابِي أُصِيب بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء" أَيْ أَفْعَل مَا أَشَاء وَأَحْكُم مَا أُرِيد وَلِي الْحِكْمَة وَالْعَدْل فِي كُلّ ذَلِكَ سُبْحَانه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَقَوْله تَعَالَى" وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء " الْآيَة عَظِيمَة الشُّمُول وَالْعُمُوم كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ حَمَلَة الْعَرْش وَمَنْ حَوْله أَنَّهُمْ يَقُولُونَ " رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا" . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْجُشَمِيّ حَدَّثَنَا جُنْدُب هُوَ اِبْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيّ فَأَنَاخَ رَاحِلَته ثُمَّ عَقَلَهَا ثُمَّ صَلَّى خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى رَاحِلَته فَأَطْلَقَ عِقَالهَا ثُمَّ رَكِبَهَا ثُمَّ نَادَى اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِك فِي رَحْمَتنَا أَحَدًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَقُولُونَ هَذَا أَضَلّ أَمْ بَعِيره أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ ؟ " قَالُوا بَلَى قَالَ " لَقَدْ حَظَرْت الرَّحْمَة الْوَاسِعَة إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ مِائَة رَحْمَة فَأَنْزَلَ رَحْمَة يَتَعَاطَف بِهَا الْخَلْق جِنّهَا وَإِنْسهَا وَبَهَائِمهَا وَأَخَّرَ عِنْده تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَة أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلّ أَمْ بَعِيره ؟ " . رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيّ بْن نَصْر عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث بِهِ وَقَالَ أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سُلَيْمَان عَنْ أَبِي عُثْمَان عَنْ سَلْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِائَة رَحْمَة فَمِنْهَا رَحْمَة يَتَرَاحَم بِهَا الْخَلْق وَبِهَا تَعْطِف الْوُحُوش عَلَى أَوْلَادهَا وَأَخَّرَ تِسْعَة وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِم فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان هُوَ اِبْن طَرْخَان وَدَاوُد بْن أَبِي هِنْد كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عُثْمَان وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن مُلّ عَنْ سَلْمَان هُوَ الْفَارِسِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ لِلَّهِ مِائَة رَحْمَة عِنْده تِسْعَة وَتِسْعُونَ وَجَعَلَ عِنْدكُمْ وَاحِدَة تَتَرَاحَمُونَ بِهَا بَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس وَبَيْن الْخَلْق فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ضَمَّهَا إِلَيْهِ " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِلَّهِ مِائَة رَحْمَة فَقَسَمَ مِنْهَا جُزْءًا وَاحِدًا بَيْن الْخَلْق بِهِ يَتَرَاحَم النَّاس وَالْوَحْش وَالطَّيْر " . ...  وَقَوْله " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " الْآيَة . يَعْنِي فَسَأُوجِبُ حُصُول رَحْمَتِي مِنَّة مِنِّي وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة " وَقَوْله" لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " أَيْ سَأَجْعَلُهَا لِلْمُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَات وَهُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ" الَّذِينَ يَتَّقُونَ " أَيْ الشِّرْك وَالْعَظَائِم مِنْ الذُّنُوب قَوْله " وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة " قِيلَ زَكَاة النُّفُوس وَقِيلَ الْأَمْوَال وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَامَّة لَهُمَا فَإِنَّ الْآيَة مَكِّيَّة" وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ يُصَدِّقُونَ (ابن كثير).  وهذا ما تشير إليه الآية: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف 157).

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (العنكبوت 23).  " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه وَلِقَائِهِ " أَيْ جَحَدُوهَا وَكَفَرُوا بِالْمَعَادِ" أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي " أَيْ لَا نَصِيب لَهُمْ فِيهَا" وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم " أَيْ مُوجِع شَدِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة (ابن كثير).

(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف 56). تنهى الآية عن الفساد. "إِنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ" أَيْ إِنَّ رَحْمَته مُرْصَدَة لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَوَامِره وَيَتْرُكُونَ زَوَاجِره كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " الْآيَة . (ابن كثير).

 (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام 147).  فَإِنْ كَذَّبَك يَا مُحَمَّد مُخَالِفُوك مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُود وَمَنْ شَابَهَهُمْ فَقُلْ " رَبّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة " وَهَذَا تَرْغِيب لَهُمْ فِي اِبْتِغَاء رَحْمَة اللَّه الْوَاسِعَة وَاتِّبَاع رَسُوله " وَلَا يُرَدّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْم الْمُجْرِمِينَ " تَرْهِيب لَهُمْ فِي مُخَالَفَتهمْ الرَّسُول خَاتَم النَّبِيِّينَ (ابن كثير).

(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (يونس 21).  يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ إِذَا أَذَاقَ النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ كَالرَّخَاءِ بَعْد الشِّدَّة وَالْخِصْب بَعْد الْجَدْب وَالْمَطَر بَعْد الْقَحْط وَنَحْو ذَلِكَ " إِذَا لَهُمْ مَكْر فِي آيَاتنَا " قَالَ مُجَاهِد اِسْتِهْزَاء وَتَكْذِيب (ابن كثير).

(وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (فصلت 50 ) (ابن كثير).  "وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَة مِنَّا مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي " أَيْ إِذَا أَصَابَهُ خَيْر وَرِزْق بَعْدَمَا كَانَ فِي شِدَّة لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي إِنِّي كُنْت أَسْتَحِقّهُ عِنْد رَبِّي " وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة " أَيْ يَكْفُر بِقِيَامِ السَّاعَة أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ خُوِّلَ نِعْمَة يَبْطَر وَيَفْخَر وَيَكْفُر كَمَا قَالَ تَعَالَى " كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنَى" ... (ابن كثير).

(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) (الشورى 48 ).  " وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَان مِنَّا رَحْمَة فَرِحَ بِهَا " أَيْ إِذَا أَصَابَهُ رَخَاء وَنِعْمَة فَرِحَ بِذَلِكَ " وَإِنْ تُصِبْهُمْ " يَعْنِي النَّاس " سَيِّئَة " أَيْ جَدْب وَنِقْمَة وَبَلَاء وَشِدَّة " فَإِنَّ الْإِنْسَان كَفُور " أَيْ يَجْحَد مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّعَم وَلَا يَعْرِف إِلَّا السَّاعَة الرَّاهِنَة فَإِنْ أَصَابَتْهُ نِعْمَة أَشِرَ وَبَطِرَ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مِحْنَة يَئِسَ وَقَنِطَ كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ" يَا مَعْشَر النِّسَاء تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار " فَقَالَتْ اِمْرَأَة وَلِمَ يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشِّكَايَة وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير لَوْ أَحْسَنْت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر ثُمَّ تَرَكْت يَوْمًا قَالَتْ مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ " وَهَذَا حَال أَكْثَر النِّسَاء إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى وَأَلْهَمَهُ رُشْده وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَالْمُؤْمِن كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاء فَشَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ". (ابن كثير).

(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (الكهف 98).  وَقَوْله : " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ لِمَا بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ الجدار " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ بِالنَّاسِ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنهمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج حَائِلًا يَمْنَعهُمْ مِنْ الْعَبَث فِي الْأَرْض وَالْفَسَاد.

(وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (الروم 33).  ويقول سبحانه: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) (الروم 36).  هَذَا إِنْكَار عَلَى الْإِنْسَان مِنْ حَيْثُ هُوَ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه وَوَفَّقَهُ فَإِنَّ الْإِنْسَان إِذَا أَصَابَتْهُ نِعْمَة بَطِرَ. وَقَالَ " ذَهَبَ السَّيِّئَات عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِح فَخُور " أَيْ يَفْرَح فِي نَفْسه وَيَفْخَر عَلَى غَيْره وَإِذَا أَصَابَهُ شِدَّة قَنِطَ وَأَيِسَ أَنْ يَحْصُل لَهُ بَعْد ذَلِكَ خَيْر بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات" أَيْ صَبَرُوا فِي الضَّرَّاء وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فِي الرَّخَاء كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح " عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّه لَهُ قَضَاء إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاء شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " . (ابن كثير).

(فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم 50).  " فَانْظُرْ إِلَى آثَار رَحْمَة اللَّه " يَعْنِي الْمَطَر " كَيْف يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا " ثُمَّ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى إِحْيَاء الْأَجْسَاد بَعْد مَوْتهَا وَتَفَرُّقهَا وَتَمَزُّقهَا فَقَالَ تَعَالَى " إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى " أَيْ إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لَقَادِر عَلَى إِحْيَاء الْأَمْوَات " إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير " . (ابن كثير).

(قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (الأحزاب 17).  أَيْ لَيْسَ لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ اللَّه مُجِير وَلَا مُغِيث (ابن كثير).

(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر 2).  يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ لَا مَانِع لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعَ : (سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ خلف الصلاةِ: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجدُّ.) ( الراوي : المغيرة بن شعبة ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6615 ، خلاصة حكم المحدث : [صحيح]). وَهَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ يَمْسَسْك اللَّه بِضُرٍّ فَلَا كَاشِف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْك بِخَيْرٍ فَلَا رَادّ لِفَضْلِهِ " وَلَهَا نَظَائِر كَثِيرَة (ابن كثير).

(وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) (يس 43-44 ).  " إِلَّا رَحْمَة مِنَّا " وَهَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع تَقْدِيره وَلَكِنْ بِرَحْمَتِنَا نُسَيِّركُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَنُسَلِّمكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " وَمَتَاعًا إِلَى حِين " أَيْ إِلَى وَقْت مَعْلُوم عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ  (ابن كثير).

الفرع الخامس: رحمة الله باليهود وبأهل الكتاب هي أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد

وأقول أنّ الله يرحم اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة بإيمانهم بعيسى عليه السلام عند عودته وانتهاء إفسادهم؛ كما توضح الآية: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8).   وإنّ رحمة الله والفوز بالجنة لا تكون إلا للمؤمنين المتقين ، ولا ينالها المفسدون: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83).  يقتضي هذا أنّ رحمة الله بأهل الكتاب هي كما تؤكد الأحاديث الصحيحة أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد.  وهذا بحق تحوّلٌ كبير، وليس على الله بعزيز:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر 53 ).  هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة دَعْوَة لِجَمِيعِ الْعُصَاة مِنْ الْكَفَرَة وَغَيْرهمْ إِلَى التَّوْبَة وَالْإِنَابَة وَإِخْبَار بِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر وَلَا يَصِحّ حَمْل هَذِهِ عَلَى غَيْر تَوْبَة لِأَنَّ الشِّرْك لَا يُغْفَر لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ . قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَام بْن يُوسُف أَنَّ اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى إِنَّ سَعِيد بْن جُبَيْر أَخْبَرَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الشِّرْك كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُول وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَة فَنَزَلَ" وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ " وَنَزَلَ " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه " ([100]) وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْج عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم الْمَكِّيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِهِ  (ابن كثير).

شرح الحديث: مِن أصولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ جَميعَ مَن أسرفَ على نفْسِه مِن أهلِ الإيمانِ والشِّركِ إذا تابَ قَبلَ أنْ يموتَ؛ فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يَقبلُ توبتَه ويَغفرُه له إنْ شاءَ، وأمَّا مَن مات على الشرك ولم يتب فإنَّ اللهَ تعالى لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ به، ويَغفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَن يشاءُ؛ فالشِّركُ لا يُغفرَ إلا بعد توبةٍ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، وقال: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [مريم: 60]، فأمَّا ما عدا الشِّرْكِ فإنَّ صاحبه في مَشيئةِ ربِّه؛ إنْ شاءَ تَفضَّلَ عليه، فعفَا له عنه، وإنْ شاءَ عدَلَ معه فجازاه به.

وفي هذا الحديثِ يرَوي ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما بأنَّ أُناسًا مِن أهلِ الشِّركِ كانوا قد أَسْرَفوا على أنْفسِهم فقَتَلوا وزَنَوْا وأكثروا مِنَ الزِّنا والمعاصِي، فأتَوُا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقالوا له: إنَّ الَّذي تقولُ وتدْعو إليه لَحسنٌ لو تُخبرُنا أنَّ لِمَا عمِلْنَا كفارةً، أي: إنَّ الإسلامَ وما تدعو إليه مِنَ التَّوحيدِ أمْرٌ حسَنٌ لو أنْ يكونَ لنا كفَّارةٌ مِمَّا اقترفناه قبل ذلك، فنَزَلَ قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ...} الآياتِ، والمرادُ قولُه تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 69- 70]، ونزلَ قولُه تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53]؛ ليدلَّ على أنَّ اللهَ يغفرُ الذُّنوبَ جميعًا لو تابَ العبدُ وأنابَ إليه وأتاهُ غَيرَ مُشركٍ بِه.

الغرض من هذا المبحث هو لكي نفهم معنى الآيتين اللتين تشيران إلى إيمان اليهود بعد أن يقاتلهم عيسى عليه السلام هو ومن معه من الطائفة التي ستبقى على الحقّ من أمة محمد صلى الله عليه وسلّم.  وهذا بيّنٌ واضح في أحاديث سبقت ؛ والشاهد من الحديث: (ويقاتلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهلكَ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها ، ويُهلكَ اللهُ في زمانِه مَسيخَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجَّالَ ، وتقعُ في الأرضِ الأمَنَةُ) . ومن هذه الأحاديث:

(والذي نفسي بيدِه ، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا ، فيكسرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها . ثم يقولُ أبو هريرةَ : واقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} .) ([101] ) .  والآية : (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) : وَهَذَا مِمَّا أُخْبِرُوا بِهِ فِي كِتَابهمْ . و " عَسَى " وَعْد مِنْ اللَّه أَنْ يَكْشِف عَنْهُمْ . و " عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة . " أَنْ يَرْحَمكُمْ " بَعْد اِنْتِقَامه مِنْكُمْ (القرطبي)

المبحث الثالث: إفساد اليهود

الفرع الأول: اللهُ الرّب العزيز الجبّار تشتمُه اليهودُ

العليم سبحانه وتعالى علم أنّ اليهود سيتمردون على الله الرّب الخالق القوي العزيز القهار.  وسيتمرّدون على منهج الله وعلى رسله ورسالاته وأنهم سيفسدون في الأرض:  (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة 64).  ومثلها الآية الكريمة: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (آل عمران 181).

هاتان الآيتان تبيّنان إفساداُ يهوديا لانهائيّاُ؛ كيف لا وهو شتمهم الذات الإلهية والتعدّي على أسمائه وصفاته؛ وربُّنا سبحانه له الأسماء الحسنى وكلها بلغ الكمال المطلق اللانهائي.  الإفساد اليهودي استغرق الزمان والمكان والأحداث ؛ تعجز الكلمات عن وصفه وتعجز العقول والقلوب أن تتخيّله!.  يقول ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: (قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة" قَالَتْ الْيَهُود : يَا مُحَمَّد : اِفْتَقَرَ رَبّك فَسَأَلَ عِبَاده الْقَرْض؟ فَأَنْزَلَ اللَّه " لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْل الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء " الْآيَة رَوَاهُ اِبْن مَرْدُوَيه وَابْن أَبِي حَاتِم . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَخَلَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق بَيْت الْمِدْرَاسِ ([102]) فَوَجَدَ مِنْ يَهُود نَاسًا كَثِيرَة قَدْ اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل مِنْهُمْ يُقَال لَهُ فِنْحَاص وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارهمْ وَمَعَهُ حَبْر يُقَال لَهُ أَشْيَع فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر : وَيْحك يَا فِنْحَاص اِتَّقِ اللَّه وَأَسْلِمْ فَوَاَللَّهِ إِنَّك لَتَعْلَم أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْده تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدكُمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. فَقَالَ فِنْحَاص : وَاَللَّه يَا أَبَا بَكْر مَا بِنَا إِلَى اللَّه مِنْ حَاجَة مِنْ فَقْر وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِير مَا نَتَضَرَّع إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّع إِلَيْنَا وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاء وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اِسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُم صَاحِبكُمْ يَنْهَاكُمْ عَنْ الرَّبَّا وَيُعْطِينَا وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا مَا أَعْطَاك الرِّبَا فَغَضِبَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَضَرَبَ وَجْه فِنْحَاص ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الَّذِي بَيْننَا وَبَيْنك مِنْ الْعَهْد لَضَرَبْت عُنُقك يَا عَدُوّ اللَّه فَأَكْذِبُونَا مَا اِسْتَطَعْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . فَذَهَبَ فِنْحَاص إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَبْصِرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبك فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت يَا أَبَا بَكْر " فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ عَدُوّ اللَّه قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا يَزْعُم أَنَّ اللَّه فَقِير وَأَنَّهُمْ عَنْهُ أَغْنِيَاء فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْت لِلَّهِ مِمَّا قَالَ فَضَرَبْت وَجْهه فَجَحَدَ فِنْحَاص ذَلِكَ وَقَالَ : مَا قُلْت ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّه فِيمَا قَالَ فِنْحَاص رَدًّا وتَصديقًا لأبي بَكرٍ:  " لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْل الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء " الْآيَة . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم ([103]). وَقَوْله " سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا " تَهْدِيد وَوَعِيد وَلِهَذَا قَرَنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ " وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ " أَيْ هَذَا قَوْلهمْ فِي اللَّه وَهَذِهِ مُعَامَلَتهمْ رُسُل اللَّه وَسَيَجْزِيهِمْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ شَرّ الْجَزَاء .)

اليهود كفروا بالله؛ فهم أشدُّ حبا للمال وللفروج، فعبدوها وكفروا بالله الرّبّ الخالق الرّزاق .  لذا ليس غريبا أن ينال هؤلاء الكفرة من الله ومن الرسل الكرام.  بل إنهم قد شتموا الذات الإلهية لأنها لم تغمرهم بالذهب الذي أحبوه بالقدر الذي أبغضوا الله وعادوا رسله ورسالاته.

الفرع الثاني: اليهود كفرة قتلة أنبياء الله

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة 91).

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران 112).

(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران 183).  يقول القرطبي: الَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض بَدَلًا مِنْ " الَّذِينَ " فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (آل عمران 181).

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء 155).

ولقد حذرهم اللهُ من هذا الإفساد في كتابهم وكان عليهم أن يستحيوا من الله وأن ينصاعوا لرسل الله ورسالاته.  إنّ علينا نحنُ المسلمين أن نزيد الصالح صلاحاً وأن تكون الجهود في خدمة البشرية.  يجب الإبتعاد عن مزايا اليهود الذين كتموا التوراة وحرفوها.  لقد كثر إفساد اليهود وتعاظم، وتعدّدت صور فسادهم وأشكاله: شتموا الذات الإلهية، عبدوا العجل، أخفوا بعض نصوص التوراة، وحرفوا البعض، قتلوا الأنبياء.  الإفساد اليهودي شمل جميع جوانب الحياة: المادية والخلقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية . . .  إلا أنّ لهم إفسادان مع المسلمين خصتهما سورة الإسراء بالذكر (تفسير الشعراوي).

الفرع الثالث: إفساد اليهود الوارد في سورة الإسراء

الإفسادة الأولى: غدر ومكر وخيانة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة.

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ) (الإسراء 1-5).  "فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا" أُولَى مَرَّتَيْ الْفَسَاد.  "أُولِي بَأْس شَدِيد" أَصْحَاب قُوَّة فِي الْحَرْب وَالْبَطْش. "فَجَاسُوا" تَرَدَّدُوا لِطَلَبِكُمْ. "خِلَال الدِّيَار" وَسْط دِيَاركُمْ لِيَقْتُلُوكُمْ وَيَسْبُوكُمْ "وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا" (الجلالين).

لقد كانت صفات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم معروفة لدى اليهود ؛ مكتوبة عندهم في التوراة يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.  إلا أنهم كفروا به رغم معرفتهم به وعلمهم برسالته وأوصافه ولم يؤمن به من اليهود إلا القليل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) (النساء 51).  إنّه لذروة وقمة الفساد والإفساد أن يقولوا لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا.  وفي المدينة خانوا العهود والمواثيق وغدروا بالمسلمين؛ فهمُّوا بقتل الرسول واعتدوا على حرمات المسلمين وعلى الأعراض.  فيرى الشعراوي رحمه الله أنّ الإفسادة الأولى لليهود هي ما كان من غدر ومكر وخيانة بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة.  فنزل الأمر الرّباني بمقاتلتهم وإخراجهم من المدينة ثم من خيبر ومن جزيرة العرب.  فمثلاً في شأن بني قُريظةَ لدينا الحديث: (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لما رجع من طلبِ الأحزابِ رجع فلبِسَ لَأْمَتَه واستجمَر زاد دُحَيمٌ في حديثه قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنزل جبريلُ عليه السلامُ فقال : عُذَيرُك من مُحارِبٍ ، ألا أُراكَ قد وضعْتَ الَّلأْمَةَ وما وضعْناها بعد؟ فوثَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فزعا، فعزم على الناسِ ألا يُصلُّوا العصرَ إلا في بني قُريظةَ فلبِسوا السِّلاحَ وخرجوا فلم يأْتوا بني قُريظةَ حتى غَربتِ الشمسُ واختصم الناسُ في صلاةِ العصرِ فقال بعضُهم صَلُّوا فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يُرِدْ أن تتركوا الصلاةَ وقال بعضُهم عزَم علينا أن لا نُصَلِّيَ حتى نأتيَ بني قُريظةَ وإنما نحنُ في عزيمةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فليس علينا إثمٌ فصَلَّت طائفةٌ العصرَ إيمانًا واحتسابًا وطائفةٌ لم يُصلُّوا حتى نزلوا بني قُريظةَ بعد ما غَربتِ الشمسُ فصلَّوها إيمانًا واحتسابًا فلم يُعَنِّفْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واحدةً من الطائفتَينِ) (الراوي : كعب بن مالك ، المحدث : الهيثمي، المصدر : مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 6/143 ، خلاصة حكم المحدث : رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة).

(قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الأحْزَابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ.) ( الراوي : عبدالله بن عمر ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:  4119 ، خلاصة حكم المحدث :  ]صحيح[)

الشرح: كانَ الرَّسولُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم هو المَرجِعَ للصَّحابةِ في كُلِّ شُؤونِهم؛ فإذا حَدَث اختِلافٌ ردُّوه إليه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؛ ليُبيِّنَ لهُم ما أَشْكَلَ عليهم، أو يُقرَّهم على ما اجتَهدوا فيه.

وفي هذا الحديثِ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يَومَ الأحزابِ: "لا يُصلِّينَّ أحدٌ العَصرَ إلَّا في بني قُرَيظةَ"، أي: أرادَ الحثَّ على الاستعجالِ في الذَّهابِ إلى بني قُرَيظة لا حقيقةَ تَركِ الصَّلاةِ؛ فإنَّه أرادَ إزعاجَ النَّاسِ إليها لِمَا كان أَخبَره جِبريلُ أنَّهُ لم يَضَع السِّلاحَ بَعدُ، وأَمَره ببني قُرَيظة، "فأَدرَك بَعضُهم العَصرَ في الطَّريقِ، فقالَ بَعضُهم: لا نُصلِّي حتَّى نَأتيَها"، "لا نُصلِّي حتَّى نَأتيَها" عَملًا بظاهِر قولِه: "لا يُصلِّينَّ أَحدٌ"؛ لأنَّ النُّزولَ مَعصيةٌ للأمرِ الخاصِّ بالإسراعِ؛ فخصُّوا عُمومَ الأمرِ بالصَّلاةِ أوَّلَ وقَتهِا بما إذا لم يَكُن عُذرٌ، وأن يُمتَثل أَمرُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، وإن تأخَّرت الصَّلاةُ عن فَضيلتِها في أوَّلِ الوقتِ تَمسُّكًا بحُدودِ نُطقِ رسولِ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، "وقال بعضُهم: بل نُصلِّي"؛ نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهِرِ اللَّفظِ، "لم يُرِدْ منَّا ذلك"، أي: إنَّ وصيَّته صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم بذلك إنَّما هي على سَبيلِ الحَثِّ لهُم في السَّير كما فُهِمَ بامتثالٍ ما أَمَرَ به، فلمَّا دَخَل عليهم وقتُ العَصرِ، وعَرَفوا مَقصودَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مِن ذلك، رَأوا أن يَنالوا فَضيلةَ الصَّلاةِ في وقتِها، وأنْ يَذهبوا إلى بَني قُرَيْظةَ مُمتَثلينَ أمْرَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم في الوُصولِ إليها، "فذُكِرَ ذلك" الفِعلُ المَذكورُ مِن فِعلِ الطَّائفتين "للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم فلَم يُعنِّف واحدًا منهُم"، لا التَّاركينَ ولا الَّذين فَهِموا أنَّهُ كنايةٌ عن العَجَلةِ; لأنَّهُم مُجتهِدون.  وفي هذا الحَديثِ: إثابةُ المجتهِدِ في كُلِّ ما يُسوَّغُ الاجتِهادُ فيه.

يقول الشعراوي أن هذا هو الإفساد الأول بدليل الآية الكريمة: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) (الإسراء 5).  إِذَا ظرف لما يستقبل من الزمن، وليس للماضي.  وقد نزلت سورة الإسراء (بني إسرائيل) في مكة قبل سورة الحشر (سُورَة بَنِي النَّضِير) والتي نزلت في المدينة بمناسبة إجلاء بني النضير.  وكذلك الكلمة " وَعْدُ " (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ) لا يمكن ولا يصحّ أن تكون في الزمن الماضي .  يرى الشعراوي أن صفة ومسمى " عِبَادًا " تطلق على من ينصاع لأوامر الله ولمنهجهه في مجالات الإختيار كانصياعه في القهريّات التي لا مجال له فيها أن يختار. وأما صفة ومسمى عبيد فتطلق على المتمردين على أوامر الله ومنهجهه في مجالات الإختيار.  وهذا يكون في الحياة الدنيا التي هي دار التكليف والإختبار.  وأما الآخرة فهي دار جزاء لا عمل.  فعلى سبيل المثال المؤمنون في الجنّة يُلهَمُون التسبيح من غير ما إرادة.  وعليه يرى الشعراوي أنّ المقصود بقوله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) هم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم؛ الذين طهّروا المدينة من رجس ودنس وإفساد اليهود أعداء الله وأعداء الإنسانية بل وأعداء أنفسهم.

(دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ): الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه جاء من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، وكتب عمر بن الخطاب (العهدة العمرية)

كانت القدس مدينة مهمة من المقاطعة البيزنطية في السنوات قبل الفتح الإسلامي، وفي عام 614 م غزا الساسانيون المدينة أثناء الحروب الساسانية البيزنطية، وقام الفرس بنهب المدينة، وذبحوا 90 ألف مسيحي، واضطهدوا جميع من في المدينة، وكان ذلك بمساعدة اليهود ([104]).

في عهد خلافة عمر بن الخطاب أطلق الامبراطور هرقل حملة كبيرة لاستعادة الأراضي المفقودة، لكن خاب ظنه وهُزم في معركة اليرموك عام 636 م.

لما انتهى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من فتح دمشق، كتب إلى أهل إيلياء - القدس - يدعوهم إلى الإسلام فرفضوا ، فركب إليهم في جنوده، ثم حاصر بيت المقدس، وطلب من أهلها الصلح، ولكنهم رفضوا، وقال رهبانهم: "لن يفتحها إلا رجلٌ، وذكروا بعض الأوصاف الجسمية لرجل معين، وأن اسمه يتكون من ثلاثة حروف، فوجد المسلمون أن هذه المواصفات لا تنطبق إلا على أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه".

جاء عمر رضي الله عنه من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، في 13 رمضان 15هـ الموافق 18 تشرين الأول 636 م وصل عمرُ بن الخطاب إلى فلسطين، وتسلم مفاتيح مدينة القدس، وقام بتأمين المسيحيين على أرواحهم وشعائرهم الدينية.  وكتب عمر بن الخطاب (العهدة العمرية)، التي سطرها التاريخ بحروف من الذهب، وأجمع عليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارّ أحدٌ منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، (لأنهم كانوا يعادون اليهود عداءً حقيقيا)، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرِجُوا منها الروم، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبَهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فعليه مثل ما على أهل إيلياء، ومن شاء أن يسير مع الروم، سار مع الروم وهو آمن، ومن شاء أن يرجع إلى أهله، رجع إلى أهله، وهو آمن، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان وكُتِبَ وحُضِرَ سنة خمس عشرة".

دعا البطريرك صفرونيوس عمرَ بن الخطاب لتفقد كنيسة القيامة، فلبّى دعوته، وأدركته الصلاة وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك، وقال له: "أين أصلي؟"، فقال: "صلِّ مكانك"، فخشي عمرُ أن يصلي فيها فيتخذها المسلمون من بعده مسجدا، فقال: "ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا"، وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلّى.  بعد ذلك بُني مسجد "عمر" في البقعة نفسها التي صلى فيها الخليفة عمر بن الخطاب.  واستمر الحكم الإسلامي على القدس لمدة 400 سنة متتالية، إلى أن جاءت الحملة الصليبية الأولى في عام 1099م (492هـ)؛ فاغتصب الصليبيون القدس.

تحرير صلاح الدين للقدس:  لقد تمّ تحرير المسجد الأقصى المبارك على يد صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين الذين دنسوه لفترة 91 عامًا ، وذلك في عام 583هـ.  وتوالت انتصارات صلاح الدين حتى توّجت بمعركة حطين 583هـ، وبعدها دخل بيت المقدس عنوة، ولم يبق للصليبين إلا مدينة صور وكانت مركزًا لتجمعهم ومدينة طرابلس ومدينة أنطاكية وبعض الحصون الصغيرة حولهم. عندها حشد الصليبيون الحملة الصليبية الثالثة والتي حققت بعض الانتصارات حتى وصلت أسوار القدس وانتهت بعقد الصلح مع صلاح الدين عام 588هـ وتوفي بعدها صلاح الدين عام 589هـ  ([105]).

الإفسادة الثانية: قائمة وهي بين يدي الساعة

 (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (الإسراء 6).

أقتبسُ هنا من كتاب تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي:  وبعد قرون من الزمن انتكس المسلمون وحادوا عن المنهج الرّباني وتحاكموا إلى الطاغوت؛ فسلّط الله عليهم اليهود الشراذم شذّاذ الآفاق لعلّ المسلمين أن يرجعوا إلى الجادّة: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) (الإسراء 6).  لقد أصبحت الغلبة لليهود منذ عام 1967، ولا يزال الإفساد اليهودي يتنامى، وجيش الإحتلال يزداد قوة إلى قوته، بينما أمتنا الإسلامية تزداد ضعفا وهوانا وارتكاساً في إنفاذ مكر ومخططات أعداء الأمة.  أمّا بيت المقدس مسرى نبيّنا وأولى القبلتين وثالث الحرمين، فإنّ قضيّته تتقزم في نفوس القادة العرب الذين يفترض أن يكونوا أصحاب قرار يسعون لخدمة قضايا الأمة.  بل من عجب العجاب أن قادة العرب يدفعون الأموال الطائلة لأعداء الأمة في حين أنهم أنفسهم يسهمون في حصار إخوانهم المسلمين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؛ وما ذلك إلا هوانا وضعفاً في مقابل مكر الليل والنهار الذي جنّدَ لهُ اليهودُ المالَ العالمي والنساءَ والسياسة والإعلام العالمي ومؤسّسات الضغط اليهودي، بل واستنفروا العالم ليقفوا في صف الشيطان حربا على الإسلام والمسلمين.

وستبقى الكَرّةُ والغلبة لليهود حتى نعود إلى منهج الله، سيبقى السوط اليهودي والإستعلاء الصهيوني يُذكِّرنا بضرورة العودة إلى دين الله وحُكم الله: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة 82).  فإذا ما حصلت الإستفادة وعدنا إلى الله نصرنا اللهُ على اليهود أعداء الله وأعداء الإنسانية بل وأعداء أنفسهم حين اختاروا الطغيان والكفر والإستعلاء والتكبر عن منهج الله: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).

واليومَ أرضُ الأقصى تحت احتلال خبيث، هذه المرة على يد اليهود لعنهم الله؛ وذلك منذ حزيران سنة 1967 م.  اليهود هم أساس ومحور المكر والكيد لدين الإسلام وللمسلمين. إنّ الصراع مع اليهود صراع عقيدة؛ بيّنت مفاصلَهُ سورةُ الإسراء (سورةُ بني إسرائيل) والعديد من آيات القرآن وسوره.  وحدّدتها أيضاً الكثير من الأحاديث النبويّة، والتي منها أحاديث الإسراء: (فقال عيسَى : أمَّا وجْبَتُها فلا يعلمُ بها أحدٌ إلَّا اللهُ ، عزَّ وجلَّ، وفيما عهِد إليَّ ربِّي، عزَّ وجلَّ ، أنَّ الدَّجَّالَ خارجٌ ، قال : ومعي قضيبان ، فإذا رآني ذاب كما يذوبُ الرَّصاصُ ، قال : فيهلكُه اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، إذا رآني ، حتَّى إنَّ الحجرَ والشَّجرَ يقولُ : يا مسلمُ ، إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتُلْه. قال : فيهلكُهم اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، ثمَّ يرجعُ النَّاسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم) (الراوي: عبدالله بن مسعود ،  المحدث : أحمد شاكر ،  المصدر : عمدة التفسير ، الصفحة أو الرقم: 2/84 ،  خلاصة حكم المحدث : [أشار في المقدمة إلى صحته] .  التخريج : أخرجه ابن ماجه (4081)، وأحمد (3556) باختلاف يسير)..  فالإسراء والمعراج معجزة خالدة نؤمن بها؛ فهي من عقيدتنا التي ربطتنا ببيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين.

اليهودُ قتلةُ أنبياء الله كما سبق بيانه. لذا ليس غريباً أنّ صراع البشريّة مع اليهود يقودهُ أولوا العزم من الرّسل:  لقد همّت يهود بقتل المسيح عليه السّلام فرفعَهُ اللهُ إليه. كما همّت مراراً بقتل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.  في صدر الإسلام تفانى اليهود في المكر والخداع والتآمر على الإسلام والمسلمين، وعلى شخص الرسول محمد.  فلم يكن للمسلمين خيارٌ غيرُ خيار إخرج اليهود من المدينة ثم من خيبر ومن جزيرة العرب، وكان إخراجهم هذا تنفيذا لأمر الله جزاء كفر اليهود وإفسادهم وطغيانهم.  التصدّي لإفسادة اليهود الأولى بدأها محمدٌ صاحب أعظم معجزتين: معجزة القرآن الخالدة ثم معجزة الإسراء والمعراج.

وفي الحديث الشريف: (لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي يقاتلونَ على الحقِّ، ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ) ([106]). هذه الطائفة تتصدى اليوم لإفسادة اليهود الكبرى والأخيرة.  وسيُحسمُ هذا الصراعُ لصالح المسلمين بقيادة المسيح عيسى بن مريم - عليهما الصلاة والسلام - ومعه هذه الطائفة التي ذكرها الحديث الشريف. ولقد خصَّ اللهُ المسيح عيسى بن مريم بمعجزات عظيمة منها: مولده ، وكلامه في المهد، وإحياء الموتى بإذن الله، ثم رفعَهُ اللهُ إليه، ثم عودتُه وقتله الدّجال.  سيقوم المسيح بنشر دين الإسلام ومقاتلة اليهود؛ ليحسم آخر حلقات الصراع مع قوى البغي والكفر.  إنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورة الحشر (سُورَة بَنِي النَّضِير).  وإنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورةُ الإسراء (بني إسرائيل): (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).  إنّهُ صراعٌ بين الإيمان والكفر ، كما أنّه صراعٌ على بيت المقدس مهبط الديانات أولى القبلتين وثالث الحرمين.  لقد أسري بنبينا محمد صلى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس حيث أمّ الأنبياء، وعُرِجَ به من هناك إلى السماوات السبع فالجِنان وارتقى لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام حيث فرضَ علينا ربُّ العزة والجلال الصلاةَ بوحيٍ مباشر من الله إلى رسوله؛ من غير واسطة جبريل عليه السلام.  سيكون الصراعُ مع اليهود بقيادة عيسى بن مريم بين يدي السّاعة.  إنّه صراع الحق يقوده أولوا العزم من الرسل معهم صفوة الصفوة في مجابهة أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة وأعداء العدالة والحرية، بل وأعداء الطفولة.

جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي: فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثاني في الأرض، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى: ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم، قال الجمل ما ملخصه: وقوله لِيَسُوؤُا الواو للعباد أولي البأس الشديد. ... وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ليَسوءَ والفاعل إما الله- تعالى- وإما الوعد، وإما البعث.

يقول ابن عاشور في معرض تفسير الآية: والآخرة ضد الأولى . وعليه يقول تعالى مخاطبا نبيّهُ محمد : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى 4).  وَلَلدَّار الْآخِرَة خَيْر لَك مِنْ هَذِهِ الدَّار (تفسير ابن كثير).  وكذلك الآية في حقّ الطاغية فرعون الذي ادّعى الربوبية: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (النازعات 25).  أَيْ اِنْتَقَمَ اللَّه مِنْهُ اِنْتِقَامًا جَعَلَهُ بِهِ عِبْرَة وَنَكَالًا لِأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُتَمَرِّدِينَ فِي الدُّنْيَا " وَيَوْم الْقِيَامَة بِئْسَ الرِّفْد الْمَرْفُود " كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّة يَدْعُونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يُنْصَرُونَ " وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَعْنَى الْآيَة أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " نَكَال الْآخِرَة وَالْأُولَى " أَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقِيلَ الْمُرَاد بِذَلِكَ كَلِمَتَيْهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَة وَقِيلَ كُفْره وَعِصْيَانه وَالصَّحِيح الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ الْأَوَّل (ابن كثير).

(وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص 70).

يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة في الجنة  (تفسير البغوي).

ولعلّ هذا يوضح مراد الله في الآية الكريمة: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ).  أي فإذا اقتربت السّاعة جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثاني في الأرض: هذا الإفساد الذي طال زمنه، وتعدّت صوره وأشكاله، هذا الإفساد الذي بلغ ذروته حين استنفرتم كلّ قوى البغي لتكريسه ؛ هذا الإفساد الذي بسببه طالت المعاناة كلّ البشرية.  وعندما تضيق الخلائقُ ذرعاً بإفسادتكم الثانية والأخيرة هذه، يبعث اللهُ عليكم أعداءَكم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).  وهذا كائن إذا اقتربت السّاعة عند عودة المسيح عيسى عليه السلام.  وهذه رحمة الله بكم إذ أنكم عندما ينحسر طغيانكم وتجبركم، ويحيق بكم الذُّلُ والهوان ؛ فلم تعد لكم القدرة على الإفساد، سيكون خياركم الوحيد الدخول في دين الإسلام ؛ حيث لن يقبل منكم المسيحُ الجزيةَ (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ).  وفي هذا المعنى مرّ معنا الأحاديث النبوية، والشاهد منها: (ويقاتلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهلكَ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها، ويُهلكَ اللهُ في زمانِه مَسيخَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجَّالَ ، وتقعُ في الأرضِ الأمَنَةُ).

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) : هي من قبيل (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء 97 ).   وَقَوْله " وَاقْتَرَبَ الْوَعْد الْحَقّ " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة (تفسير ابن كثير).

للَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ: ألله ربّ كل شيء ومليكه على مرّ الزمان والمكان ومن قبلهما ومن بعدهما

(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) (النجم25 )  أَيْ إِنَّمَا الْأَمْر كُلّه لِلَّهِ مَالِك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْمُتَصَرِّف فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (ابن كثير)

(وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص 70)

قَوْله : " وَهُوَ اللَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " أَيْ هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْإِلَهِيَّةِ فَلَا مَعْبُود سِوَاهُ كَمَا لَا رَبّ يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار سِوَاهُ " لَهُ الْحَمْد فِي الْأُولَى وَالْآخِرَة " أَيْ فِي جَمِيع مَا يَفْعَلهُ هُوَ الْمَحْمُود عَلَيْهِ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَته " وَلَهُ الْحُكْم " أَيْ الَّذِي لَا مُعَقِّب لَهُ لِقَهْرِهِ وَغَلَبَته وَحِكْمَته وَرَحْمَته " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " أَيْ جَمِيعكُمْ يَوْم الْقِيَامَة فَيَجْزِي كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ مِنْ خَيْر وَشَرّ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَة فِي سَائِر الْأَعْمَال (ابن كثير).

عندما ترد كلمة الأولى غير مقترنة مع الآخرة ، فإنّها تأتي بمعنى السّابق والأول (the first) :

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص 43)

(قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (طه 51)

(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى) (النجم 50)

(قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (طه 21)

(وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) (طه 133)

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب 33)

(إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (الصافات 59)

(إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) (الدخان 35)

(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (الدخان 56)

(هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى) (النجم 56)

(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) (الأعلى 18)

(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) (الواقعة 62)

المبحث الرابع : وَعْدُ الْآخِرَةِ

)وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61