بسم الله الرحمن الرحيم

أسرار حروف فواتح السور في تنزيه كلام الله وفي أسماء القرآن وجعله وإنزاله عربيًّا

 

المؤلّفون

 

الأستاذ الدكتور حسين يوسف عمري/ قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

المرحوم أسأل الله أن يكون كِتَابهُ فِي عِلِّيِّينَ الأستاذ الدكتور راجح عبدالحميد كردي

قسم أصول الدين - الجامعة الأردنية (زمن التأليف)


الشكر الجزيل والموصول إلى علماء أحبة كان لهم الفضل الكبير في ظهور هذا الكتاب.  لقد بذلوا الجهد والوقت الطويل وأسهموا في إثراء النقاش ورفع سوية الكتاب.  جزاهم الله خير الجزاء والمثوبة.  وهم

الدكتور شاهر عوض الكفاوين/ قسم اللّغة العربيّة/ جامعة الحسين/ الأردن

الدكتور محمود حسن أبو خرمة/ الهندسة التكنولوجيّة-العلوم الأساسيّة/

جامعة البلقاء التطبيقيّة/الأردنّ

الشيخ إبراهيم حمدان خريسات القرالّة/ مجاز القراءات الكبرى/ جامعة مؤتة

الأستاذ المشارك الدكتور عبدالحميد راجح كردي/ جامعة عمان الأهلية /الأردن

الدكتور ياسر بشناق/ دكتوراه علم حاسوب

الدكتور حمزة حسين يوسف عمري    تسنيم حسين يوسف عمري (PhD)

قسم الهندسة الكهربائية/ جامعة المسيسيبي -OleMiss /أكسفورد - أمريكا

عايدة أم حمزة حسين عمري / مجازة في بعض القراءات

سلسبيل حسين يوسف عمري/ ماجستير- الحاسوب/ من الجامعة الأردنية

الصيدلانية سندس حسين يوسف عمري

                                         


موضوعات الكتاب

الفصل الأول : مقدّمات المسألة     

         المبحث الأوّل : مقدّمات في مجال الكمبيوتر

الفرع الأوّل : المقصود بتنزيل برمجية أو نصّ ما على الكمبيوتر

الفرع الثاني : تطور وسائط تخزين البيانات

الفرع الثالث : في مجال الكمبيوتر هناك مستويات للّغات

         المبحث الثاني : مقدّمات في أطوار الخلق وتغيّر الحال

الفرع الأوّل :  تغير حالة المادّة (Phase transition)

الفرع الثاني :  أطوار الخلق وتغيّر الحال

         المبحث الثالث : مقدمات في الكلام واللّغات وبيان أنّ حقيقة وأصل كلام الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

الفرع الأوّل : قولُ الله تسمعه الملائكة كأنه سلسلة على صفوان

الفرع الثاني : معاني الإنزال وربطه بآيات الْقُرْءَان

الفرع الثالث : اختلاف اللّغات آية تدل على الْمُدَبِّر الْبَارِئ

الفرع الرّابع : كلُّ الخلائق تسبّح الله (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)

الفرع الخامس : عُلِّمَ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَان

الفرع السّادس : كلام القرين والجنّة والنّار وكلام الْمَلَك الْمُوَكَّل بِعَمَلِ اِبْن آدَم

الفرع السّابع : لغة أهل الجنة       

الفرع الثامن : تنزيه صفات الله (ومنها الكلام) عن مشابهة صفات الخلق آكد من تنزيه ثمار الجنة عن مشابهة ثمار الدنيا

الفرع التّاسع : أقوال العلماء في تنزلات الْقُرْءَان

الفصل الثاني : تفسير بعض آيات الجعل وقوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)

الفرع الأول : الجعل في آيات الْقُرْءَان الكريم

الفرع الثاني : الفرق بين الجعل والعمل

الفرع الثالث : الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا

الفرع الرابع : بدأ تخلق مجموعتنا الشمسيّة بعد الانفجار العظيم بحوالي 8.7 مليار سنة

الفرع الخامس : جعل الرواسي والأنهار متأخّرٌ عن خلق الأرض

الفرع السادس : وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا

الفرع السابع : الجعل في لسان العرب

الفرع الثامن : المزيد من الآيات الْقُرْءَانية التي تذكر الجعل

الفرع التاسع : لم يبعثِ اللهُ تعالى نبيًّا إلَّا بِلِسَانِ (بِلُغَةِ) قومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فنزل القُرْآنُ عَرَبِيًّا (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)

الفرع العاشر : نبذة في الأمواج الصوتية

الفصل الثالث : آيات وأحاديث الوحي

         المبحث الأوّل : أنواع الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

أحدها : الرؤيا

الثاني : ما كان الملك يلقيه في روعه

الثالث : أن الملك يتمثل له رجلا فيخاطبه

الرابع : أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس

الخامس : أتاه جبريل على هيئته

السادس : ما أوحاه الله له فوق السماوات ليلة المعراج

         المبحث الثاني : كلام الله وتعريف الْقُرْءَان

الفرع الأوّل : الْقُرْءَان كَلَامُ اللهِ تَعَالَى لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ

الفرع الثاني : مقتطفات من كتاب التسعينيّة لابن تيميّة

الفرع الثالث : توضيحُ قول الشيخ عبد الرحمن البراك

الفرع الرابع : فتح الباري شرح صحيح البخاري - كِتَاب التَّوْحِيدِ - قوله لقوله تعالى فاذكروني أذكركم

الفرع الخامس : بعض الآيات الْقُرْءَانيّة التي تعرضُ بعضَ كلام الله قبل أن يخلق محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ)

الفرع السادس : ميزة الإنسان على الملائكة بالعلم والتعلم

الفرع السابع : بعض كلام اللهِ وخطابه لعيسى عليه السلام يوم القيامة

الفرع الثامن : بعضُ صفات اللهِ وكلام اللّه

الفرع التاسع : مقادير الخلق وفاتحةُ الكتابِ وخواتيمُ سورةِ البقرةِ

الفرع العاشر : قد تشتمل آيات الْقُرْءَان الكريم على بعض من كلام اللهِ الأزلي

الفرع الحادي عشر : أللُّطْيف سبحانه لم يبعَثِ نبيًّا إلَّا بلُغةِ قومِه

الفصل الرابع: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

         مقدمة : معاني لغوية

         المبحث الأوّل : حروف فواتح السّور

الفرع الأوّل : حروف فواتح السّور والدليل على أنّها حروف

الفرع الثاني : بعض أسرار حروف فواتح السور

         المبحث الثاني : تنزّلات الْقُرْءَان

التنزيل الأول : كتابته في اللوح المحفوظ

التنزيل الثاني : حالة اللّغة العربيّة وأحاديث أمّ الكتاب

التنزيل الثالث : نزول جبريل به على الرّسول محمّد عليهما السّلام بلسان عربي

أسرار حروف فواتح السور

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

مرتبة قراءة الرّسول (صلى اللّه عليه وسلّم): ما أذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ أو للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يتغنَّى بالْقُرْءَان

التنزيل الرابع : أُنزِلَ الْقُرْءَان بلسانِ قريشٍ وعَلَى سَبْعَةِأَحْرُفٍ

التنزيل الخامس : نزوله منجّما (النزولُ مفرّقا وفي مُهْلة)

التنزيل السادس : التّرتيب للآيات والسور توقيفي

التنزيل السّابع : منازل بعض الآيات والسّور

أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ

تقسيم الْقُرْءَان الكريم

مواضيع رئيسة في آيات الْقُرْءَان الكريم

خصوصيّة بعض السّور

السَّبعُ المثاني

البقرةُ وآلُ عِمرانَ

يومَ الجمعةِ قرأَ بسورةِ الجمعةِ في السَّجدةِ الأولى ، وفي الآخرةِ إذَا جاءَكَ المُنافِقُونَ

قرأ رسولُ اللَّهِ سورةَ الرَّحمنِ على الجنِّ ليلةَ الجنِّ

كان رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يَقرأُ في الفِطْرِ والأضحى بـ ق والْقُرْءَان المجيد و اقتربت الساعة

المعوذات

التنزيل الثّامن : الْقُرْءَان ناسخٌ لما سبق وَمُهَيْمنٌ عَلَيْهِ

التنزيل التّاسع : النّسخ في الْقُرْءَان

ونسخت آية الرّجم

نسخ الآيات التي تدرّجت في تحريم الخمر

التنزيل العاشر : تكفّل اللّه بحفظ الْقُرْءَان على مرّ الزمان ، وأن تتلقاه الأجيال بالتواتر , وأن تعمّ هدايته الأصقاع

الفصل الخامس : الخاتمة الخاتمة


المقدمة

 (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)).  (... إنها أم الْقُرْءَان ، و أم الكتاب ، و السبع المثاني ... ) ([1]) .  (لم ينزل في التَّوراةِ ولا الإنجيلِ ولا الزَّبورِ ولا الْقُرْءَان مثلَها ، وَهيَ السَّبعُ المثاني والْقُرْءَان العظيمُ الَّذي أوتيتُهُ) ([2]) . وفي حديث : (يا عقبةُ بنُ عامرٍ ألَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا ما أُنزِلَ في التوراةِ ولا في الزبورِ ولا في الإنجيلِ ولا في الفرقانِ مثلُهُنَّ لَا تَأْتِي ليلةً إلَّا قرأْتَ بِهِنَّ فِيها قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ و قُلْ أَعَوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ([3]) .  ({ قل هو الله أحد } تعدل ثلث الْقُرْءَان و { قل يا أيها الكافرون } تعدل ربع الْقُرْءَان وكان يقرؤها في ركعتي الفجر وقال هاتان الركعتان فيهما رغب الدر ) ([4]) .

الحمد للّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.  الحمد له ربيّ : (اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).

الحمد للّه العليم الهادي بوحيه إلى الطريق المنير: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ( القلم 5-1).  الحمدُ للّه بيّن الآيات : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم 22).  الحمدُ للّه : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء 44). 

الحمدُ للّه يؤيّدُ رسُلَه بالمعجزات: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) ) (النمل 17-19).

ألحمدُ للّه الذي أفاض علينا من ظلال أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَا.  فجعل لنا سمعاً وهو السّميع سبحانه، وجعل لنا بصراً وهو البصيرُ سبحانه، وعلّم الإنسان ما لم يعلم وهو العليمُ سبحانه.  وأنزل كتبَه على رسله ولهُ الأمرُ من قبلُ ومن بعد: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82).

يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَظَمَته وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَاله وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَا وَكَلِمَاته التَّامَّة الَّتِي لَا يُحِيط بِهَا أَحَد وَلَا اِطِّلَاع لِبَشَرٍ عَلَى كَتْبهَا وَإِحْصَائِهَا كَمَا قَالَ سَيِّد الْبَشَر وَخَاتَم الرُّسُل " لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسك " فَقَالَ تَعَالَى " وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يَمُدّهُ مِنْ بَعْده سَبْعَة أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه "...  لِأَنَّهُ لَا حَصْر لِآيَاتِ اللَّه وَكَلِمَاته.  قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَوْ جُعِلَ شَجَر الْأَرْض أَقْلَامًا وَجُعِلَ الْبَحْر مِدَادًا وَقَالَ اللَّه إِنَّ مِنْ أَمْرِي كَذَا وَمِنْ أَمْرِي كَذَا لَنَفِدَ مَاء الْبَحْر وَتَكَسَّرَتْ الْأَقْلَام.  وفي الحديث: (قالت قريشٌ لليهودِ : أعطونا شيئًا نسألُ عنه هذا الرجلَ ، فقالوا : سلُوهُ عن الروحِ، فسألوه ؟ فنزلت : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء : 85]، فقالوا : لم نُؤْتَ من العِلمِ نحن إلا قليلًا ، وقد أُوتينا التوراةَ ، ومن يُؤْتَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا؟! فنزلت : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي الآيةُ [ الكهف : 109 ]) ([5]) .  يوضّح الحديث أنّ (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير) ؛ فهي فقط كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى موسى عليه السّلام.

قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ مناسبة نزول هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْيَهُود قَالَتْ : يَا مُحَمَّد , كَيْف عُنِينَا بِهَذَا الْقَوْل " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا " [ الْإِسْرَاء : 85 ] وَنَحْنُ قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاة فِيهَا كَلَام اللَّه وَأَحْكَامه , وَعِنْدك أَنَّهَا تِبْيَان كُلّ شَيْء ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير) وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَالْآيَة مَدَنِيَّة ([6]) .

إنّ اللّه هو الحيُّ أبدا (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، وهو الْأَوَّل فَلَيْسَ قَبْله شَيْء وَهو الْآخِر فَلَيْسَ بَعْده شَيْء.  سبحان الحيِّ : أللّهُ سبحانهُ ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال؛ لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.  هو صاحب الأمر كلّه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82).    لذا فإنّ كلام اللّه وأمره لانهائيّين.  واللّه سبحانه هو صاحب الأمر والنهي والإرادة المطلقة .  والقلم يكتب بعض أمر اللّه ؛ واللّه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء بما شاء، وكيف شاء.  لذا لا بدّ من أن تكون كلماته لانهائية ؛ فهي غير محدودة ولا معدودة .

الحمد للّه المتفضّل بالوحي:

يقوله سبحانه : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)؛ أي هو بكلام الله الذي يعجز البشر عن إدراكه كعجزهم عن إدراك ذات الله الَعَلِيّ الحَكِيم.   لا يكلّمُ اللهُ أحداً من خلقه (ملكا أو رسولا) إلاّ من خلال الوحي : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى آية 51 ).  وأمّا حالة ما قبل الوحي ؛ فيستحيل الوصول إلى اللّوح المحفوظ ، ويتعذّر على البشر القراءة منه.  فلا إبانة ولا هداية من غير الوحي .  أي ليس من سبيل إلى سماع كلام اللّه أو فهمه وإدراكه من قبل أن يبلّغه الرّسول المبعوث رحمة للعالمين : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 192- 195) .  (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر الآيات رقم: 17، 22، 32، 40).

الحمدُ للّه الهادي:  (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى آية 52).  وما كان ليُهتدىَ به لو نزل بلغة لا يعقلها الذين نزل عليهم الْقُرْءَان.

الحمدّ للّه المتفرّد بالكمال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى 11).  يقول ابن كثير ([7]) : أَيْ لَيْسَ كَخَالِقِ الْأَزْوَاج كُلّهَا شَيْء ، لِأَنَّهُ الْفَرْد الصَّمَد الَّذِي لَا نَظِير لَهُ " وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير".  وتذكيراً بتوحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرّب - جل جلاله - بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة ، والجلال ، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه .  وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جميع الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف ، ولا تمثيل .  ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله.

الحمدّ للّه القائل : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 103-102).  وَلِهَذَا كَانَتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تُثْبِت الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَتَنْفِيهَا فِي الدُّنْيَا وَتَحْتَجّ بِهَذِهِ الْآيَة " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار".  فَاَلَّذِي نَفَتْهُ (فِي الدَّار الْآخِرَة) الْإِدْرَاك الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى رُؤْيَة الْعَظَمَة وَالْجَلَال عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْكِن لِلْبَشَرِ وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَا لِشَيْءٍ وَقَوْله " وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار" أَيْ يُحِيط بِهَا وَيَعْلَمهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَلَقَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَلَا يَعْلَم مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير" ([8]).

الحمد للّه أللّطيف سبحانه ، فهو الذي يرفق بالعبد فيقدر له من التيسير ما لا يخطر له على بال، وهو اللطيف بعبده ولعبده.  لطيف به يرفق به وييسر له الأمر، لطيف لعبده يقدر له من الأمور الخارجية ما يكون فيه اللطف كما قال عز وجل إنَّ ربي لطيفٌ لما يشاء.  إنّ اسم اللّه (أللّطيف) يبيّن تيسيرَ اللّه الأمرَ للعباد وتسهيله.  الحمدّ للّه اللّطيف الرحمن الرّحيم لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه لِيُبَيِّنَ لَهُمْ : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4).  فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه .  الحمدّ للّه عندما يوحي إلى أحدٍ من رُسُله ينزل كلامه عن أصله (الّذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى كلامه المعجز (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) لكن بلغة القوم المخاطبين في الرسالة حتى يتفهموا الخطاب وتتحقّق المصلحة من الوحي : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4)، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2)، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت آية 44) ، ويقول سبحانه وتعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (فصلت 3).  " كِتَاب فُصِّلَتْ آيَاته " أَيْ بُيِّنَتْ مَعَانِيه وَأُحْكِمَتْ أَحْكَامه " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " أَيْ فِي حَال كَوْنه قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَيِّنًا وَاضِحًا فَمَعَانِيه مُفَصَّلَة وَأَلْفَاظه وَاضِحَة.  الحمدُ لك ربّنا وأنت اللّطيف القائل وقولك الحقّ : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى آية 7)، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) (مريم آية 97).  جعله اللّه باللّغة العربية لعلهم يعقلونه .

يستحيلُ على البشريّة إمكانيّة الوصول إلى اللّوح المحفوظ (أُمِّ الْكِتَابِ) أو القراءة منه أو فهم الْقُرْءَان من قبل تنزّله عربيّاً على الرّسول العربيّ محمّد: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف آية 3-4) .  (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)؛ أي هو بكلام الله الذي يعجز البشر عن إدراكه كعجزهم عن إدراك ذات الله الَعَلِيّ الحَكِيم.  وهذا أشبه ما يكون بمّا نُسب إلى أم المؤمنين عائشة من نفيها (فِي الدَّار الْآخِرَة) الْإِدْرَاك للّه الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى رُؤْيَة الْعَظَمَة وَالْجَلَال عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْكِن لِلْبَشَرِ وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَا لِشَيْءٍ.

الحمدُ للّه الذي أعدّ لعباده في الجنّة؛ كما أخبر رسولُهُ : ( ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُنٌ سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشرٍ ).  فإذا كانت الجنّة المخلوقة كذلك، فما بالكم بتنزيه اللّه عن مشابهة الخلق؟  فالله أبعد من الشبه وأبعد سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى 11).  سبحانه ليس كصفته صفة، وكذلك كلام اللّه (صفته) لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام .  فاللّه سبحانه يجعل (يصيّر) وحيه بلغة القوم المخاطبين تيسيراً : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4).  ومن الأحاديث ما رواه أبو ذر الغفاري: (لم يبعَثِ اللهُ نبيًّا إلَّا بلُغةِ قومِه) ([9]).  وفي رواية : (لم يبعثِ اللهُ تعالى نبيًّا إلَّا بِلُغَةِ قومِهِ) ([10]) . هَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ أَنَّهُ يُرْسِل إِلَيْهِمْ رُسُلًا مِنْهُمْ بِلُغَاتِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُمْ مَا يُرِيدُونَ وَمَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ.

الحمد للّه ميّزَ الإنسانَ على الملائكة بالعلم والتعلُّم : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة 31)

فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ مَنْ عَرَضْته عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمَلَائِكَة الْقَائِلُونَ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء؟  إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قِيلكُمْ أَنِّي إِنْ جَعَلْت خَلِيفَتِي فِي الْأَرْض مِنْ غَيْركُمْ عَصَانِي وَذُرِّيَّته وَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء وَإِنْ جَعَلْتُكُمْ فِيهَا أَطَعْتُمُونِي وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّقْدِيس.  فَإِذَا كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَسْمَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَضْت عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونَهُمْ فَأَنْتُمْ بِمَا هُوَ غَيْر مَوْجُود مِنْ الْأُمُور الْكَائِنَة الَّتِي لَمْ تُوجَد أَحْرَى أَنْ تَكُونُوا غَيْر عَالِمِينَ : (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة 32).

الحمد للّه مالك الملك: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) (الحاقة س 69، الآيتان 38-39).  (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (هود 123).  إنّ الكون المرئي تحيطُ به سبعُ سماوات طباق وفتق (توجد مسافات بين كلّ سماء والّتي تعلوها).  والجنّة فوق السّماوات، وهي مستويات: (يا أبا سعيد ! من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد . فقال : أعدها علي . يا رسول الله! ففعل . ثم قال: وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة . ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، قال : وما هي ؟ يا رسول الله ! قال : الجهاد في سبيل الله . الجهاد في سبيل الله ) ([11]) .

والفردوس فوق ذلك كلّه ، كما جاء في الحديث : (أن أم حارثة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد هلك حارثة يوم بدر ، أصابه غرب سهم ، فقالت : يا رسول الله ، قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنة لم أبك عليه ، وإلا سوف ترى ما أصنع ؟ فقال لها : ( هبلت ، أجنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة ، وإنه لفي الفردوس الأعلى ... )  ([12]) .  والعرشُ فوق كلّ هذا الخلق العظيم.

تشكّل حروف فواتح السّور فقط نصف حروف اللّغة العربيّة.  بينما نعلم أنّ القرءان نزل عربيّاً وعلى سبعة أحرف تيسيراً وتفصيلا وبياناً.  ولا يكون التّنزيل العربيّ ولا تتحقّق الإبانة إلا بجميع حروف اللّغة العربيّة.  وبالتالي فإنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه (وهو صفة من صفاته) في أصله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.  فالسّرّ الأوّل في حروف فواتح السّور هو تنزيه اللّه (في كلامه وفي سائر صفاته) والإبتعادُ عن التشبيه والتمثيل الذي يكون في كيفيّة وحقيقة الصفة، أي كيف هي على الحقيقة، وليس في معنى الصفة.  والخوض في الكيفية تشبيه، فالإنسان يصف الشيء على ما يشاهده، والله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى 11).

وينزّلُ اللهُ وحيَه على رسله بلغة القوم حتى يعقلوا الخطاب.  القرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي) أنزله اللّهُ وحيا عربيّا بواسطة جبريل على رسوله محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم): ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا).  يمكننا القول أن بعض مراد الله في حروف فواتح السور هو الإشارة إلى حالة تتعذّر معها الإبانة ؛ وهي حالة ما قبل نزول جبريل به على محمّد عليهما السّلام بلسان عربي.   لقد كان هذا التنزيل إلى لغة بشريّة سهلة ميسّرة (اللغة العربية) ضروريّاً ولازماً حتى يتمكن من فهم الْقُرْءَان الذين أنزل إليهم الْقُرْءَان الكريم.  ومن بعد يأتي دور العرب في أن يبلغوه هم كذلك إلى العالم أجمع.  ومثال للتقريب: كما أنّ رؤية الله غير ممكنة في الحياة الدنيا، فكذلك فإنّ فهم كلام الله لا يتأتى للبشر على صورة الكتابة وهيئتها التي في اللوح المحفوظ.  فكانت العناية الرّبانية أن أنزل الله الْقُرْءَان الكريم عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ إلى مرتبة اللغة العربية (التيسير: بلسان عربي مبين).  هذا هو الوحي؛ تيسير الكتاب بلغة القوم المخاطبين؛ بعد أن كان في اللوح المحفوظ في مكان عليّ لايستطيعه البشر؛ وبكيفية لا يتسنى للبشر قراءته.

يتبيّن ممّا سبق أنّ أحداً من خلق الله (ملكا أو رسولا) لا يكلّمه الله إلاّ من خلال الوحي : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى آية 51 ) .  فكأنّ حروف فواتح السور تصف حالة ما قبل الوحي (حيث يستحيل الوصول