أسرار حروف فواتح السور في تنزيه كلام الله وفي أسماء القرآن وجعله وإنزاله عربيًّا

 

 

المؤلّفون

الأستاذ الدكتور حسين يوسف عمري/ قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

المرحوم أسأل الله أن يكون كِتَابهُ فِي عِلِّيِّينَ الأستاذ الدكتور راجح عبدالحميد كردي

قسم أصول الدين - الجامعة الأردنية (زمن التأليف)

 


الشكر الجزيل والموصول إلى علماء أحبة كان لهم الفضل الكبير في ظهور هذا الكتاب.  لقد بذلوا الجهد والوقت الطويل وأسهموا في إثراء النقاش ورفع سوية الكتاب.  جزاهم الله خير الجزاء والمثوبة.  وهم

الدكتور شاهر عوض الكفاوين/ قسم اللّغة العربيّة/ جامعة الحسين/ الأردن

الدكتور محمود حسن أبو خرمة/ الهندسة التكنولوجيّة-العلوم الأساسيّة/

جامعة البلقاء التطبيقيّة/الأردنّ

الشيخ إبراهيم حمدان خريسات القرالّة/ مجاز القراءات الكبرى/ جامعة مؤتة

الأستاذ المشارك الدكتور عبدالحميد راجح كردي/ جامعة عمان الأهلية /الأردن

الدكتور ياسر بشناق/ دكتوراه علم حاسوب

الدكتور حمزة حسين يوسف عمري  و  تسنيم حسين يوسف عمري (PhD)

قسم الهندسة الكهربائية/ جامعة المسيسيبي -OleMiss /أكسفورد - أمريكا

عايدة أم حمزة حسين عمري / مجازة في بعض القراءات

سلسبيل حسين يوسف عمري/ ماجستير- الحاسوب/ من الجامعة الأردنية

الصيدلانية سندس حسين يوسف عمري

 


الخلاصة

يأتي هذا الكتاب محاولة لتقديم بُعد جديد لبعض مراد الله في حروف فواتح السور.  وفيما يلي محاولة ربط حروف فواتح السور مع قضايا الإيمان وتنزيه صفات اللّه عن مشابهة صفات المخلوقين ، ومنها كلام اللّه الّذي يجعله (يصيّره) سبحانه بلغة القوم المخاطبين بالرّسالة كي يتمكّنوا من الفهم ، وذلك أنّ كلام اللّه في أصله ليس كمثله شيء ، ولا يمكن للمخلوق أن يعقله (جدول - 1).  الكلام صفةُ المتكلّم: فالمخلوق صفاته مخلوقة؛ وكذلك كلامه.  وأمّا اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فهو الحيُّ القيّوم ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وصفاته غير مخلوقة ، وليس كمثلها شيء : فكلام اللّه غير مخلوق وليس كمثله شيء، ولا تُعْلَمُ حقيقتُه.  بل إنّ اللّه قد وصفَ كلامَه وكتابه ببعض أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى (أنظر الآيات في جدول (- 1 أ)).

جاء في شرح العقيدة الواسطيّة: (أنّ اللّه تكلّم بالْقُرْءَان حقيقةً :  وجميعُ صفات اللّه حقيقيّة، وإذا كان كلامُ اللّه حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون مخلوقاً؛ لأنّه صفته، وصفةُ الخالق غير مخلوقة؛ كما أنّ صفة المخلوق مخلوقة.

أللّفظُ يطلق على معنيين: على المصدر الذي هو فعلُ الفاعل، وعلى الملفوظ به.  أمّا على المعنى الأوّل الذي هو المصدر (فعلُ الفاعل)؛ فلا شكّ أنّ ألفاظنا بالْقُرْءَان وغير الْقُرْءَان مخلوقة.  لأنّنا إذا قلنا: إنّ اللّفظ هو التّلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللّسان والشّفتين مخلوق.  فإذا أريد باللّفظ التّلفظ؛ فهو مخلوق، سواء كان الملفوظ به قرآناً أو حديثاً أو كلاماً أحدثته من عندك.  أمّا إذا قصد باللّفظ الملفوظ به (الكلام المسموع) ؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو الْقُرْءَان؛ فليس بمخلوق.  لذا قال الإمام أحمد: "من قال: لفظي بالْقُرْءَان مخلوق ؛ يريد الْقُرْءَان (الملفوظ به)؛ فهو جهمي".

وجاء في كتاب العقيدة الواسطيّة: ولا يجوز إطلاق القول (على سبيل الإطلاق) بأنّ الْقُرْءَان حكاية عن كلام اللّه أو عبارة عنه.  ويوضّحه الشيخ محمد بن العثيمين في شرح العقيدة الواسطيّة فيقول : "قال: لا يجوز إطلاق القول ، ولم يقل لا يجوز القول! يعني لا يجوز أن نقول: هذا الْقُرْءَان عبارة عن كلام اللّه ؛ على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن نقول : إنّه حكاية (محاكاة ، مماثلة) عن كلام اللّه؛ على سبيل الإطلاق. ...  لكن عند التّفصيل؛ قد يجوز أن نقول : إنّ القارئ الآن يعبّر عن كلام اللّه أو يحكي كلام اللّه؛ لأنّ لفظه بالْقُرْءَان ليس هو كلام اللّه ([1]).  وهذا القول على هذا التقييد لا بأس به ، لكن إطلاق أنّ الْقُرْءَان عبارة أو حكاية عن كلام اللّه لا يجوز").

تشير حروف فواتح السور إلى تنزيل الْقُرْءَان الكريم عن كيفيّة كلام اللّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وعن كيفية الكتابة في اللوح المحفوظ (لَيْسَ كَمِثْلِها كتابة) إلى لغة سهلة ميسّرة (اللغة العربية) حتى يتمكن من فهمه الذين نزل إليهم الْقُرْءَان الكريم عربيّاً معجزاً مبيناً.  فكان من مقتضى اللّطف الرّباني أن أنزل الله الْقُرْءَان عن مرتبة كلامه الّذي ليس كمثله شيء وبغير لغات البشر، إلى مرتبة كلام اللّه باللغة العربية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195) ؛ وذلك حتى تتمكنوا من فهمه بعد تنزّله على قلب وسمع الرسول محمّد.  كما وأنزله عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ .  وهو كلام اللّه من قبل ومن بعد تنزّله إلى العربيّة.  الكلام صفةٌ للمتكلم ، فلا بدّ أن يكون قائما به وتبعا لمشيئته : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82)، فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى.  فكلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي.  لا يكون الكلام كلاما لمتكلم يمتنع أن يقوم به الكلام.  فهو إله واحدٌ يتصف بجميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه ، فلا يجوز أن ننفي عنه صفة من صفاته أو اسما من أسمائه الحسنى.  فهو سبحانه ألله ، الرّبُّ، العليم ، السميع ، البصير، الرحمن ، الرحيم ، اللطيف ، الودود، العظيم ، العزيز، الجبار ، الرّزاق ، الغني ، ....  وصفاته على الحقيقة لا على المجاز ، لا يُدرك كيفها ولا تستطيعُ العقولُ أن تبلغَ قدرها ، وكلّها تجلّي الكمال المطلق (ما لانهاية - infinity- ).

إنّ كلام اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وهو ليس من جنس كلام البشر.  تسمعُ الملائكةُ قولَ اللّه كأنه سلسلة على صفوان: (إذا قضى اللهُ تعالى الأمرَ في السماءِ ، ضربتِ الملائكةُ بأجنحتِها خضعانًا لقوله ، كأنه سلسلةٌ على صفوانٍ ... ) ([2]) .  واللّه سبحانه متكلم ومنذ الأزل، والكلام صفة ذاتية وفعلية للّه سبحانه؛ ولا رادّ لأمره ؛ وله المشيئة المطلقة:

 (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

ويقول سبحانه:  (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (سورة البروج).

وخلود الكافرين في النار تحكمه المشيئة المطلقة في قوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (هود 107).  وأمّا لغات البشر فهي حادثة مخلوقة، وأنّى للحادث المخلوق أن يحيط بجميع كلام اللّه الأوّل الذي لا شيء قبله والآخر الذي لاشيء بعده: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان 27).

يقدر عدد كلمات اللّغة العربية فقط بحوالي 14 مليون كلمة.  وهذا لا شيء مقارنة مع أللانهاية (infinity).

اللُّغَةُ: أصَواتٌ يُعَبِّر بها كل قوم عن أغراضهم؛ فاللغات مخلوقة.

لقد أنزل الله على رسله يسيراً من كلامه ليهتدي به من شاء .  وأما الْقُرْءَان الكريم فهو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي)؛ جعله اللّهُ عربيّا : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، ثمّ أنزلهُ وحياً عربيّا بواسطة جبريل عليه السلام على قلب سيّد المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم) ؛ بأن قرأه جبريل والرّسولُ يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه .  سور الْقُرْءَان محدودة العدد (114) ، وعدد آياته محدود (6236). وأما كلمات الْقُرْءَان فهي تسع وثلاثون وأربعمائة وسبع وسبعون ألف كلمة (77439) ([3]).  وقد يكفي لطباعة الْقُرْءَان أو كتابة نسخة منه الدّواتان من الحبر.

البشر الذي أوتي القليل من العلم يحقّق تطوراً كبيراً في مجال تخزين المعلومات : (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق 4-5) .  فما بالك بعلم اللّه والكتابة في اللوح المحفوظ؟  وعليه فلا يجوز لأحد أن يحاول مجرّد التفكير بالكيفية التي يكتب بها قلم الله في اللوح المحفوظ.  تتفرّد صفاتُ الله سبحانه وتعالى بالكمال المطلق واللانهائي، والبشر عاجزون عن إدراكها : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى 11).  وأورد القرطبي في تفسيره: " وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ : التَّوْحِيد إِثْبَات ذَات غَيْر مُشَبَّهَة لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَة مِنْ الصِّفَات . وَزَادَ الْوَاسِطِيّ رَحِمَهُ اللَّه بَيَانًا فَقَالَ : لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَات ، وَلَا كَاسْمِهِ اِسْم ، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْل ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَة إِلَّا مِنْ جِهَة مُوَافَقَة اللَّفْظ ؛ وَجَلَّتْ الذَّات الْقَدِيمَة أَنْ يَكُون لَهَا صِفَة حَدِيثَة ؛ كَمَا اِسْتَحَالَ أَنْ يَكُون لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَة صِفَة قَدِيمَة. وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل الْحَقّ وَالسُّنَّة وَالْجَمَاعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ! (القرطبي) ".  وبالتالي فلا بدّ من تنزيه الله عن مشابهة الخلق في كلامه وفي كتابة قلمه:  فكلامُ اللهِ الأوّلِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام، ولا يجوز لأحد أن يزعم أنّه كان أصلاً بأيّ من اللغات التي يتخاطب بها البشر.  وإنّ من يزعم هذا يكون قد وقع في شَرَك التشبيه ، ونسب إلى الله الانحياز إلى لغة من لغات البشر ، ولرُبّما أفضى به هذا إلى الطّعن في عدالة اللّه سبحانه وتعالى.  هذا ولا يجوز التفكير في كيفيّة كتابة قلم الله.  هذا ولربّما يقع في التشبيه (تشبيه الله بخلقه) من يزعم أنّ كتابة قلم اللّه هي بكيفية تشبه أيّا من الكيفيات التي تكتب بها أقلام البشر على مرّ الزمان (من الأقلام ما قبل التأريخ، إلى الكيفية التي تعمل بها اقراص البلوراي -Blue ray- ، أو خلاف ذلك ممّا قد يتوصّل إليه العلم).  نقول هذا مع علمنا بأنّ القلم مخلوق ومحدودة قدرته على الكتابة؛ فهو لا يستوعب جميع كلام اللّه وغير المحدود ؛ فلا يسعه أن يكتب جميع كلام اللّه .  فلقد أمر اللّهُ القلمَ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها ([4])؛ ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة.  بل هنالك كتب غير اللوح المحفوظ: (إنَّ اللَّهَ كتبَ كتابًا قبلَ أن يخلُقَ السَّماواتِ والأرضَ بألفي عامٍ أنزلَ منهُ آيتينِ ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ ولا يقرآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقربُها شيطانٌ) ([5]). 

الكتب السماوية كلّها في الأصل كلام الله ([6])، ولا يمكن أن تخلوا جميعها (وقبل تحريف المحرّف) من بعض كلام الله القديم.  ولقد أنزلت الكتب السماوية بلغات مختلفة.  فهل معنى ذلك أنّ هذه اللغات قديمة (قدم الله)؛ وليست حادثة؟!  الجواب كلاّ وألف كلاّ .  وبالتالي فإنّ كلام الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهو ليس من جنس كلام البشر، وإنّما يُنزلُه الله تعالى عن مرتبة كلامه إلى مرتبة كلامه (أيضاً ليس كمثل شيء) بلغة البشر المخاطبين بالرّسالة؛ حين يشاء أن يُنزلَه على أحد من رسله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3) ، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4).  ثمّ يُنزله جبريل وحياً على قلب وسمع البشر الرّسول ليقرأه هو بدوره على المخاطبين : (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (الشورى 51).

الرسم و ترتيب المتشابه

الكلمة أنزلناه وردت في المصحف 14 مرة، وكلها بالألف الخنجرية (الصغيرة)؛ ومن دلالاته تعدّد أوجه الإنزال؛ سواء للقرءان أو الكتاب أو الماء (الجدول).  ومن خلال إستقراء الرسم القرآني؛ يرى البعض أنّ من دلالة الألف الخنجرية (الصغيرة) أنّها تشير إلى التفصيل في الدلالة الكلية للكلمة (البرهان في رسم القرآن للمهندس عبدالحميد خليل حموده)، فهي هنا إشارة إلى تعدّد أوجه الإنزال.

كلمة القرءان رسمت بالألف الخنجرية فقط في سورة يوسف ورقمها 12 ، ثمّ في سورة الزخرف ورقمها 43.  الآيتان هما:

- (إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون) (يوسف 2).

- (إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون) (الزخرف 3).

تتشابه الآيتان فيما عدا الكلمتان أنزلناه و جعلناه.  ومن خلال دراسة المتشابه وترتيب وروده في القرآن؛ نستنتج أنّ الجعل هو من أوجه الإنزال المتعدّد؛ حيث ذكر الإنزال أوّلا في سورة يوسف، ثمّ ذكر الجعل تاليا في سورة الزخرف.

الكلمتان أنزلناه قرءانا رسمتا بالألف الخنجرية.  ومن خلال إستقراء الرسم القرآني؛ يرى البعض أنّ من دلالة الألف الخنجرية هنا تعدّد أوجه الإنزال للقرءان، وكذلك تعدّد أوجه القراءة للقرءان.

- (إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون) (الزخرف 3).

الكلمتان جعلناه قرءانا رسمتا بالألف الخنجرية .  ودلالة الألف الخنجرية هنا هو تعدّد أوجه الجعل (الصيرورة وتغير الحال) ؛ وكذلك تعدّد أوجه القراءة للقرءان؛ وذلك تيسيراً لقراءة هذا الكتاب.

 

تنزّلات القرآن الكريم

إنّ للقرآن تنزّلات كثيرة ، ومنها:

التنزيل (التنزّل) الأول :  كتابته في اللوح المحفوظ

اللوح المحفوظ نزل فيه بعضُ كلام الله وأمره : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 4).  وإنّ كلام اللّه وأمره لانهائيّين (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82).  فاللّه سبحانه هو صاحب الأمر والنهي والإرادة المطلقة.  والقلم يكتب أمرَ اللّه؛ واللّه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء بما شاء، وكيف شاء.

كتابة الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ هي تنزّل مكاني ورتبيّ (معنويّ) أيضا :  والتنزّل الرّتبي هو أنّ القلم المخلوق يكتب كلام اللّه غير المخلوق، فالْقُرْءَان قليلٌ من كلام اللّه أللانهائي.  يتشرّف القلمُ المخلوق بأن يكتبَ كلام اللّه غيرَ المخلوق؛ والذي هو صفته سبحانه، ويتشرّف اللّوح المحفوظ (وهو مخلوق) بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه، وكلامهُ غير مخلوق.  وإنّ القلم مخلوقٌ ومحدودةٌ قدرتُه على الكتابة، واللّوح المحفوظُ محدودةٌ سعته؛ فهو لا يستوعب جميع كلام اللّه القديم وغير المحدود ؛ فلا يسعه أن يكتب جميع كلام اللّه .  وهذا يؤكّدهُ الحديث : (إن أول شيء خلقه الله عز وجل : القلم، فأخذه بيمينهوكلتا يديه يمينقال : فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول: بر أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عنده في الذكر،...).  فالقلم أمره اللّهُ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها.  ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة .

التنزيل الثاني والثالث: حالة اللّغة العربيّة وأحاديث أمّ الكتاب

ألله سبحانه وتعالى هو الأول لا شيء قبله ، والكلام صفة لم تنفكّ عنه ومنذ الأزل : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس 82).  وأمّا لغات البشر فحادثة مخلوقة.  وإذا كنّا ننزه اللّه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى آية 11)؛ فلا يجوز أن نزعم أنّ كلامه أصلا وأزلاً هو بلغة البشر.

التنزّل الثاني: هو تنـزل معنوي رتبي ؛ عن مرتبة كلام اللّه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير اللّغة العربيّة، إلى مرتبة كلام اللّه باللّغة العربيّة والّذي ليس كمثله شيء.

التنـزل المعنويّ (تنـزل الدّرجة والرّتبة والمكانة) هنا هو نـزولٌ عن مرتبة كلام الله الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلام الله المعجز بلغة العرب؛ والّذي ليس كمثله شيء: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 3-4)

وإنّ الكلمة (جعل: جَعَلْنَاهُ) في آيات الْقُرْءَان الكريم تكون مع طارئ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ أي بعد أن كان في أصله على صورة كلام الرّب الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ؛ أي لم يكن من قبلُ عربيّاً.  "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة.

التنـزيل الثالث: حالة اللّغة العربيّة وكتابته في أمّ الكتاب

ثمّ كتب القلمُ كلامَ الله في اللّوح المحفوظ عربيّاً؛ إلاّ أنّ كيفيّة الكتابة في اللّوح المحفوظ لا يعلمها إلاّ اللّه.  فيكون التنـزل الثالث تنـزل مكاني ومعنويّ أيضا: يتشرّفُ القلمُ المخلوقُ بأن يكتب الْقُرْءَانَ (كلامَ اللّه باللّغة العربيّة وهو غير مخلوق، وليس كمثله شيء)، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه هذا باللّغة العربيّة.

و نـزلَ بالمكان، وفيه: حَلَّ. وهذا المعنى فيه إشارة إلى كتابة الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ؛ والّذي نـزل فيه بعضُ أمر الله وبعضُ كلامه.

التنـزيل (أو التنزّل) الرابع: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ     

نـزل من علو إلى أسفل. ونَزَلَ نُزُولاً : هَبَطَ من عُلْو إِلى سُفْل .  وفي هذا المعنى إنزال الْقُرْءَان من اللّوح المحفوظ (من العالم العلويّ ؛ عالم الملائكة والملكوت) إلى العالم الأرضي (عالم الإنس والجنّ).  (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان 6).  لايمسُّ الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ إلا الملائكةُ المطهّرون : (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة 79).  وفي هذا المعنى أيضا الآية الكريمة: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) (الشعراء 193).

و نَزَلَ على القوم أي حلَّ ضيْفًا : (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) (الإسراء 105).  ونزل الْقُرْءَان بلسان العرب : معناه وافقت لغتُهُ لغتَهم : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2).  النُّزُلُ : المنزل . وإنّ هذا المعنى فيه إشارة إلى إنزال الْقُرْءَان على قلب نبيّه محمد : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَان جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ) (الفرقان 32) .

التنزلات الأربع السابقة تشير إليها حروف فواتح السور والتي تتضمن تنزيه كلام الله عن مشابهة كلام البشر؛ وعدم إمكانية سماع كلام الله من قبل اكتمال هذه التنزلات الأربع.

ومن حيث المعنى اللغوي للتنزيل ؛ هنالك تنزلات أخرى كثيرة:

لقد حفظ الصّحابةُ الْقُرْءَان في صدورهم ، وعاشوه واقعاً : (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء 10). و النُّزُلُ ما هُيِّئَ للضيف يأْكل فيه وينام .  وتبيّنُ آياتُ الْقُرْءَان أنّ الصّحابة استحقوا الجنّة (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصّلت 32) ، لأنّ الْقُرْءَان سكن قلوبهم وكان لهم منهاج حياة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصّلت 30).

ويقال : نَزَّلَ هذا مكان هذا : أقامه مُقَامَه .  وهذا المعنى فيه إشارة للنسخ : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 106) .  والْقُرْءَان ناسخٌ لما سبق وَمُهَيْمنٌ عَلَيْهِ : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة 48).

وفي الحديث : (عن مسروقٍ قالَ كنتُ متَّكئًا عندَ عائشةَ ، فقالَت : يا أبا عائشةَ ثلاثٌ من تَكَلَّمَ بواحِدةٍ منهنَّ فقَد أعظمَ علَى اللَّهِ الفِريةَ : من زَعمَ أنَّ محمَّدًا رأى ربَّهُ فقَد أعظمَ الفِريةَ علَى اللَّهِ واللَّهُ يقولُ : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51) ...) ([7]).

ويقول سبحانه: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 103-102).  وَلِهَذَا كَانَتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا تُثْبِت الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَتَنْفِيهَا فِي الدُّنْيَا وَتَحْتَجّ بِهَذِهِ الْآيَة " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار ".  فَاَلَّذِي نَفَتْهُ (فِي الدَّار الْآخِرَة) الْإِدْرَاك الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى رُؤْيَة الْعَظَمَة وَالْجَلَال عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْكِن لِلْبَشَرِ وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَا لِشَيْءٍ (ابن كثير، ج 2 ، ص 218).

ويقول سبحانه : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام 106-103).  وإنّ من تمام الإيمان أن نثبت للّه ما أثبته لنفسه وتفرّد به من الأسماء الحسنى والصفات العلى .  ومنها صفة الكلام ، فكلامه سبحانه ليس من جنس كلام البشر، و يجعلُه (يصيّرُهُ) اللّهُ بلسان قوم الرّسول المخاطبين بالرسالة ، ثمّ يسمَعُهُ البشرُ الرّسولُ وحياً (بواسطة جبريل) ، ثمّ يسمَعُهُ البشرُ من البشرِ حيث تكفّل اللّه بحفظه؛ فتتلقاه الأجيال بالتواتر.

وكما بيّن الحافظ فالوحي أصله التفهيم.  فبالتالي لا بدّ أن ينزل الكلام عن مرتبة كلام اللّه الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ليصبح كلام اللّه بلغة القوم المخاطبين بالوحي، ولا بدّ أن ينزل المكتوب عن مرتبة الكتابة في اللّوح المحفوظ إلى مرتبة الكتابة بلغة الرّسول الموحى إليه؛ وذلك حتى يتحقّق المُراد وهو التفهيم.  وهذا الفهم يؤكّدَه تنزيهُ الله عن مشابهةِ الخلق؛ فليس كصفتِه صفةٌ، ولا يشبه كلامه كلام.  وهذا تؤكّده اللّغة ، فقد مرّ بنا أنّ المَنزلَةُ : موضع النزول، ومن المجاز : الدّرجة والرّتبة والمكانة.

نحن في الحياة الدنيا نسمع القرآن يتلوه البشر؛ ولا نسمعه من الله مباشرة.  ويوضحه العبارة التي طالما سمعناها؛ ولم ندقق في معناها؛ وهي : نستمع الآن لآيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ الشيخ محمود الحصري.

وبالتالي جاء في الحديث: تَجيءُ قراءةُ القرآن والصيامُ يومَ القيامةِ يشفعانِ للعبدِ: قراءةُ القرآن تدين لله بالربوبية؛ تقولُ : ياربِّ

تَجيءُ قراءةُ القرآن والصيامُ يومَ القيامةِ يشفعانِ للعبدِ، فتقولُ قراءةُ القرآن: يارَبِّ حُلَّهُ (أي: أكسُهُ حُلَّة)، فيَلْبسُ تاجَ الكرامةِ ، ثُم تقولُ : ياربِّ زِدْه ، فيَلبسُ حُلَّةَ الكرامةِ ، ثُم تقولُ : ياربِّ ارْضَ عَنه ، فيَرضَى عنه، فيُقالُ لهُ : اقْرأْ ، وارْقَ ، ويُزادُ بِكُلِّ آيةٍ حسنةً.  قراءةُ القرآن تدين لله بالربوبية؛ تقولُ : ياربِّ

(يَجِيءُ صاحِبُ القُرآنِ يومَ القِيامةِ ، فيقولُ القرآنُ : يارَبِّ حُلَّهُ ، فيَلْبسُ تاجَ الكرامةِ ، ثُم يقولُ : ياربِّ زِدْه ، فيَلبسُ حُلَّةَ الكرامةِ ، ثُم يقولُ : ياربِّ ارْضَ عَنه ، فيَرضَى عنه ، فيُقالُ لهُ : اقْرأْ ، وارْقَ ، ويُزادُ بِكُلِّ آيةٍ حسنةً) (الراوي  : أبو هريرة ، المحدث : الألباني ، المصدر : صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 1425 ، خلاصة حكم المحدث : حسن .  التخريج : أخرجه الترمذي (2915) باختلاف يسير، وأحمد (10087) مختصراً. ).

أمثلة للتقريب:

1- الكمبيوتر : في مجال الكمبيوتر هناك مستويات للّغات ، وبالتالي ليس لأحد أن يزعم أنّ اللّغات التي يتخاطب بها البشر (المخلوق) هي من جنس كلام اللّه (الأزلي) ومن نفس مستواه.  وتتطوّر وسائط تخزين البيانات.  وبالتالي ليس لأحد أن يزعم أنّ الأقلام التي يكتب بها البشر (المخلوق) هي من جنس ومستوى قلم اللّه (الذي أمرَهُ أن يكتب في اللّوح المحفوظ).

وفي عالم الحاسبات يقوم جهاز الحاسوب بتجزئة البرنامج الذي يكتبه المبرمجُ (Source code) ، ويحاكيه أنّ الْقُرْءَان نزل منجّماً (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء 106).  نزَلَ مُفَرَّقًا ومُنَجَّمًا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاث وَعِشْرِينَ سَنَة ، وبعضُه نزل عَلَى الْوَقَائِع.

ومن ثمّ يُترْجَمُ البرنامجُ إلى لغة يستطيع أن يفهمها جهاز الكمبيوتر ويتعامل معها ، وهذا يشبه التنزيل بلغة القوم : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم 4).

2- تحوّل حالة المادّة : وتعلّمنا في علم الطبيعة (الفيزياء) أنّ المادة تتغير من حالة إلى أخرى: حالة صلبة وحالة سائلة وحالة غازية، وحالة البلازما. ويعتمد انتقال مادة ما من حالة لحالة على درجة الحرارة والضغط.  وعندما تتغير حالة المادة قد يصاحب ذلك تولد الحرارة أو فقد في الحرارة، إذ أن طاقة حركة جزيئات المادّة تزداد أو تنقص خلال هذا التحول. وتتغير حالة المواد المختلفة عند درجات حرارة وضغط مختلف.

3- وفي الْقُرْءَان أنّ الخلق أطوار : (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح 14).  وقوله تعالى : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (الانشقاق 19).  أَيْ لَتَرْكَبَنَّ أَيّهَا الْإِنْسَان حَالًا بَعْد حَال ، ومَنْزِلَة عَنْ مَنْزِلَة.

4- وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ: يَقُول تَعَالَى : (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم 22).  وَمِنْ آيَاته الدَّالَّة عَلَى قُدْرَته الْعَظِيمَة " وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ " يَعْنِي اللُّغَات.  كلُّ الخلائق تسبّحُ اللّهَ : (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).  ولقد عُلِّمَ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَان.

كلام الهدهد ليس من جنس كلام سليمان

مسكينٌ هذا الهدهد إذا اعتقد أنّ كلام (لغة) سليمان عليه السّلام هي نفس لغة الهدهد أو من جنسها.  هذا والمقارنة هنا بين مخلوقين اثنين : رسول كريم مُعلّم من اللّه ، وطائر .  فهل لهذه الصورة أن تقرّب لنا التنزيل : إنّهُ إِلَٰهٌ عليمٌ قديرٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، ولَيْسَ كَمِثْلِ كلامه كلام.  إِلَٰهٌ يُنزلُ وحيه على البشر باللّغة التي يفهمونها، في حين أنّ كلامَ اللّهِ الأوّلِ (لاشيء قبله) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من كلام البشر، وليس باللغات التي يتخاطب بها البشر.

كلام النّملة ليس من جنس كلام سليمان

- (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل 19-18)

قول النملة: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)

قول سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)

إنّ نعم اللّه كثيرة على سليمان. ومنها تعليمه مَنْطِق الطَّيْر وَالْحَيَوَان.  إنّ قول النملة وكلامها ليس من جنس قول سليمان وكلامه عليه السّلام.  ولمّا شاء اللّه أن يطلعنا على كلام النّملة وكلام سليمان عليه السّلام ، جعل هذا آية في الْقُرْءَان الّذي أوحاهُ اللّهُ إلى محمّد بلسان قومه: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3) ، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2).

كلام الجنّة والنّار ليس من جنس كلام اللّه

- (قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها).  والسؤال هو: هل يعقل أن يكون كلام الله هذا الذي خاطب به الجنّة والنّار من جنس كلام النار: (أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين)، (قط قط قط) أو من جنس كلام الجنّة: (ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم) ([8]) ؟!  الجواب طبعاً بالنفيّ ؛ لأنّ اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ والكلام صفته ، فليس مثل كلامه سبحانه كلام، وهذا مقتضى تنزيه اللّه عن مشابهة الخلق.  ولكنّه سبحانه حين شاء أن يطلعنا على هذا الخطاب تكلّم به بلغة الوحي إلى رسوله محمّد : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق 30))؛ وذلك لكي نعقل هذا الخطاب : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2) ، (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4).

إنّ اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ والكلام صفته، فليس مثل كلامه سبحانه كلام، وهذا مقتضى تنزيه اللّه عن مشابهة الخلق.

5- لغة أهل الجنة وأهل النار: قال ابن حزم في الإحكام (1 / 36(: وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم عندنا إلا ما جاء في النص والإجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك.  وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (4/300) : لَا يُعْلَمُ بِأَيِّ لُغَةٍ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ يَوْمَ الْبَعْثِ وَلَا بِأَيِّ لُغَةٍ يَسْمَعُونَ خِطَابَ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.  وقد زعم قوم أنّ العربية أفضل اللغات لأنه بها كلام الله تعالى .  وقال علي وهذا لا معنى له لأن الله عز و جل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4) ، وقال تعالى : {وإنه لفي زبر الأولين} فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه.  وقد أنزل التوراة والإنجيل والزّبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا .  إنّ هذا ينسجم مع صفة العدل لله.  وإنّ من تنزيه الله عن مشابهة الخلق أن نعتقد أنّ كلام الله أصلاً بغير لغات البشر.  واللّه عندما يوحي إلى أحد من رسله ينزل كلامه عن أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى كلامه المعجز بلغة القوم المخاطبين في الرسالة حتى يتفهموا الخطاب وتتحقّق المصلحة من الوحي : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).

إذا كانت الجنّة وهي مخلوقة ، فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُنٌ سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشرٍ): (قال اللهُ تعالى : أعددتُ لعبادي الصالحينَ ، ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ . فاقرؤوا إن شئتم : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ { .) ([9])

ثمار الجنّة ليست كثمار الدّنيا : ليس عنب الجنّة كعنب الدنيا ، وليس الرّمان في الجنّة كالرّمان في الدنيا .  هذا ولم يطلعنا اللّهُ سبحانه على لغة الخطاب في الجنّة ، فما بالكم بتنزيه اللّه عن مشابهة الخلق؟ إنّ اللّه سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وليس كصفته صفة.  فله سبحانه يدان اثنتان ، و كلتا يديه يمين، وليس كمثل يده شيء: (إنَّ المقسِطين عند اللهِ يومَ القيامةِ على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ ، و كلتا يدَيه يمينٌ : الذين يعدِلون في حكمِهم ، و أهليهم و ما وَلُوا) ([10]).

وكذلك كلام اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام، ولغات البشر حادثة ومخلوقة.  وبالتالي فإنّ اللّه يُكلّمُ عباده باللّغة التي يفهمونها ، في حين أنّ كلامه في الأصل ليس بلغات البشر: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2). (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم 4).

الفرق بين الجعل والخلق : يقول السّامرائي: "هناك فرق بين الجعل والخلق فالجعل هو أن تُغيّر الصيرورة فنقول جعلت الماء ثلجاً أي أنه لم يكن فصار (تغيّر حالة المادّة) كما جاء في قوله تعالى (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي) (طه 30-29).  لم يكن هارون وزيراً من قبل فصار وزيراً.  وقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة 30): لم يكن فيها خليفة فصار فيها.  وقوله تعالى (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ومعلوم أن (جعل) فعل ماض ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل.  الجعل في الغالب حالة بعد الخلق أو الإنشاء، فالخلق أقدم وأسبق.  جعل الزرع حطاماً ليست مثل خلق الزرع حطاماً.  جعل بمعنى صيّر، هو خلقه ثم جعله.  (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) (المائدة 60) لا يعني خلقهم وإنما يعني صيّرهم.  إذن في الغالب الجعل بعد الخلق (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (البقرة 124) صيّره إماماً وليس خلقه إماماً".

وأمثلة أخرى كثيرةٌ توضّحها الكلمة جَعَلَ ومنها:

مثال 1: ويرى الفيزيائيُّ ستيفن وينبرق (Steven Weinberg) في كتابه الدّقائق الثلاث الأولى أنّ الكون يستمرُّ في توسُّعه وتبرّده، وأنّ الأحداث المهمّة تأخُذ مجراها عندما يصبحُ عمر الكون أكبرُ من حوالي 0.7 مليون سنة: حيث يصل الكون إلى حالة التّمايز بين المادّة والإشعاع، ويصبحُ شفافاً للإشعاع وتصبح الذّرات مستقرة ، وتبدأ المادّة تشكّلُ المجرّات والنّجوم بعد هذا العمر.  لقد استغرق الأمر حوالي380,000  سنة حتى تنخفض درجة الحرارة إلى أقلّ من 3000 كلفن ويبدأ التّمايز بين الإشعاع والمادّة.  وفي وقت لاحق يقدّر بحوالي1.6  مليون سنة -400  مليون سنة ، استطاعت قوّة الجاذبيّة أن تشكل النجوم والمجرات من سحب الغاز: (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أي وأبرز ضوء نجومها، كقوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) ([11]).  لقد بدأ خلق المجرّات والنجوم بعد خلق السّماء (الانفجار العظيم) بحوالي1.6  مليون سنة -400  مليون سنة.  وهذا الفاصل الزمني تشير إليه الكلمة جَعَلْنَا في قوله سبحانه : (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (الحجر آية 16).  وبدأ تخلق مجموعتنا الشمسيّة بعد الانفجار العظيم بحوالي 8.7 مليار سنة، وهذا ما تؤكّده الكلمة جعل في الآيات : (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) (نوح آية 16) ، (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) (الفرقان آية 61).  لقد تأخر خلق البروج (النجوم والمجرّات) عن خلق السّماء: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا).  كما وقد تأخّر خلق الشمس والقمر عن خلق مجرّتنا : (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا).

مثال 2: عندما كان عمر الأرض أقل من 600 مليون سنة، كانت درجة حرارة سطحها مرتفعة لا تسمح باستقرار الماء السائل على سطحها.  وبالتالي استمرّت فترة تبخّر وتكثف وهطول الماء على سطح الأرض لفترة زمنيّة بطول 600 مليون سنة، إلى أن بردت واستقرّ سائل الماء على سطحها، وهذا مقتضى الكلمة جَعَلَ في الآية: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا) (الرّعد آية 3).

مثال 3: يتحدّد العقم في حالة أسرة ما بعد الزّواج بسنة على الأقلّ.  وهو طارئ لا أصل كما تشير كلمة يَجْعَلُ في الآية: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا).  فالأصل هو الإنجاب لا العقم كما تقرّر حكمة الخلق وديمومة الحياة والاستخلاف في الأرض.

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا

وقولُهُ تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ معناه إِنَّا بيّنّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ؛ حكاه الزّجاج، وقيل قُلْناه ، وقيل صيّرناهُ.  الجعل في آيات الْقُرْءَان يأتي على معنيين اثنين : الخلق أو الصيرورة (تغير حالة) (أنظر كتاب الحيدة).  وبما أنّ الْقُرْءَان كلام اللّه ؛ وكلامه غير مخلوق، فإنّ جعل الْقُرْءَان عربيّاً معناه تصييره عربياً ؛ وتغييره إلى حالة اللّغة العربيّة : تكلم الله به مرّة أخرى باللّغة العربيّة، وكتبه القلمُ في اللوح المحفوظ مرّة أخرى ليَقرأه جبريل باللّغة العربيّة؛ بعد أن كان أصلُه على هيئة كلام الله الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

إنّ للسماوات لغة تفهمها السماوات، فخاطبها اللّهُ بها، وإنّ للأرضين السّبع لغة تفهمها فخاطبها اللّهُ بها .  وحين أنزل اللّهُ الْقُرْءَان عربيّاً ، وشاء أن يطلعنا على أمره للسماوات والأرض : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصّلت آية 11 ].، جعل كلامَه هذا آية في الْقُرْءَان (الذي نزل بلسان العرب) حتى يتسنّى لنا الفهم.

والقرءانُ يشتمل على العديد من الآيات التي تَعرضُ بعضَ كلام الله قبل أن يخلق محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ) ومنها قصة آدم وسجود الملائكة له ، واستكبار إبليس .  وإغواء إبليس لآدم وحواء : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة 35-36).  وكذلك العديد من الآيات التي توردُ قصص الأنبياء، في حين نعلم أنّ اللّه قد أنزل كتبه على رسله بلغة القوم المخاطبين بالوحي.  كلّ هذه الآيات هي من كلام الله قبل أن ينزل جبريل بالْقُرْءَان العربي على الرسول محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ).  لقد أوحى اللهُ إلى كلّ رسول بلسان قومه.  وبالتالي فإن بعض كلام الله في آيات الْقُرْءَان قد خوطب به رسل سابقون، وبلغة أقوامهم، وكان ذلك قبل بعثة الرسول الخاتم محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ) .  وبالتالي فإنّ الْقُرْءَان الكريم قد جعلهُ (صيّرهُ) اللّهُ عربيّاً قبل بدء نزول جبريل به على قلب محمد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ -: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195) ، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2).

نعلمُ أن الرّحيم من صفات اللّه الذاتيّة، وقد أنزلَ اللهُ جزءاً يسيراً من رحمته تتراحم به الخلائق : (إن للهِ مائةَ رحمةٍ . فمنها رحمةٌ بها يتراحمُ الخلقُ بينهم . وتسعةٌ وتسعون ليومِ القيامةِ) ([12]) .  ونعلمُ أن الغفور من صفات اللّه ، وكذلك العفُوّ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء 48) ، والآية : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء 116).  إنّ هذا القدر من المغفرة لعظيم؛ حتى أنّ البشر لا يستطيعون تصوّره.  وقد أمر اللّهُ المؤمنين أن يتغافروا فيما بينهم.  فضْلُ الله سبحانه وتعالى عظيمٌ بالعفو عن حقّه؛ حتى إنَّه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئا حتى وإن عظمت مصائبه أو ذنوبه؛ فإن الله تعالى يغفرها إن شاء تفضّلا منه .

ومثالٌ آخر أنّ الله قد رزق الخلائق في الحياة الدنيا بجزء يسير مما عنده؛ فنحن نعيش على الكرة الأرضيّة التي لا تكاد تذكر بالنسبة إلى ملك الله الواسع .  وبالكيفيّة ذاتها فقد أنزل الله على رسله جزءاً يسيراً من كلامه ليهتدي به من شاء من الثقلين : (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان 27).  وفي الحديث: (قالت قريشٌ لليهودِ : أعطونا شيئًا نسألُ عنه هذا الرجلَ ، فقالوا: سلُوهُ عن الروحِ، فسألوه؟ فنزلت : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء : 85]، فقالوا : لم نُؤْتَ من العِلمِ نحن إلا قليلًا ، وقد أُوتينا التوراةَ ، ومن يُؤْتَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا ؟ ! فنزلت : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي( الآيةُ [ الكهف : 109 ]) ([13]) .  يوضّح الحديث أنّ (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير) ؛ فهي فقط كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى موسى عليه السّلام.

ويستفاد من هذا امتناع استخدام الشجر قلماً وماء البحار مداداً، وذلك لأنّ كلمات الله لا نفاد لها، وهي لانهائيّة، وتعجز الأقلام والمداد عن استيعابها وكتابتها.

لقد كَتَبَ اللّهُ الْقُرْءَان الكريم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ .  والقرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي) جعله اللّهُ عربيّاً ثمّ أنزله اللّهُ وحياً عربيّاً بواسطة جبريل على رسوله محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم).  إنّ الكتابة في اللوح المحفوظ ليست لجميع كلام الله ، فجميع كلامه غير محدود وغير معدود.  وإنّ هذه الكتابة أصلاً بغير لغات البشر، وبكيفية لا يدركها البشر.  ولا يمكن للغات البشر المحدودة أن تستوعب جميع كلام الله الذي لا يسعه مدادُ سبعة أبحر.  بل إنّ اللوح المحفوظ في علوّ ورفعة لا ينال.  وبالتالي حتى ينتفع البشر بالْقُرْءَان لا بدّ من أن يكرمهم الله بالتنزُّل العربيّ لهذا الْقُرْءَان: فسمع جبريلُ الْقُرْءَان من الله تعالى أو تلقاه من اللّوح المحفوظ بلسان عربيّ مبين، ونزل به جبريلُ الأمين عليه السّلام بلسان عربيّ مبين على قلب الرّسول محمّد عليه السلام؛ بأن قرأه والرّسول يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه.  ثمّ قرأه الرّسول محمد على الصحابة الكرام الذين سخّرهم اللّه لنشر هذا الدين.

يمكننا القول إن بعض مراد الله في حروف فواتح السور هو ضرورة اكتمال هذه التنزّلات للقرآن الكريم حتى يتيسّر فهمه : (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الدخان آية 58) ؛ أي حتى يتمكن من فهمه الذين نزل إليهم الْقُرْءَان الكريم.  ومن بعد يأتي دور العرب في أن يبلغوه هم كذلك إلى العالم أجمع.  ومثال للتقريب: كما أنّ رؤية الله غير ممكنة في الحياة الدنيا، فكذلك فإنّ فهم كلام الله لا يتأتى للبشر على صورة الكتابة وهيئتها التي في اللوح المحفوظ.  فكانت العناية الرّبانية أن أنزل الله الْقُرْءَان الكريم عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ إلى مرتبة كتابتنا للّغة العربية: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195).  ومرّ بنا أنّ المَنزلَةُ : موضع النزول، ومن المجاز: الدّرجة والرّتبة والمكانة.  إنّ تنزّل الرّتبة هذا - نزول الْقُرْءَان باللّغة العربية (بلسان الرّسول محمّد) - قد جعل الْقُرْءَان بيّناً ظاهراً ومُظهراً: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2)، (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3).  فالمبين بمعنى المظهر لابد أن يكون بَيِّناً في نفسه وإلاّ لما أظهر.  وإنّ المُبِيـن من أسماء اللّه وصفاته؛ فهو البيِّن الأحقية والذي أبان لخلقه أنَّه الحق.  ومن أسماء اللّه وصفاته (اللّطيف) : فهو الذي يرفق بالعبد فيقدر له من التيسير ما لا يخطر له على بال، قال ابن القيم رحمه الله في النونية: وهو اللّطيف بعبده ولعبده.  لطيف به يرفق به وييسر له الأمر، لطيف لعبده يقدر له من الأمور الخارجية ما يكون فيه اللّطف كما قال عز وجل إنَّ ربي لطيفٌ لما يشاء.  اسم اللّه (اللّطيف) يبيّن تيسير اللّه الأمرَ للعباد وتسهيله ([14]).  ومن لطفه وتيسيره سبحانه أن جعل الْقُرْءَان عربيّاً : )فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) (مريم آية 97).

الكتب السماوية كلّها في الأصل كلام الله، ولا يمكن أن تخلوا (قبل تحريف المحرّف) من بعض كلام الله القديم، وقد أنزلت بلغات مختلفة ، فهل معنى ذلك أنّ هذه اللغات قديمة (قدم الله) ، وليست حادثة؟!  الجواب كلاّ وألف كلاّ.  وبالتالي فإنّ كلام الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وهو ليس من جنس كلام البشر، وإنّما يُنزلُه الله تعالى عن مرتبة كلامه إلى كلامه المعجز بلغة البشر المخاطبين بالرّسالة، حين يشاء اللّهُ أن يُنزلَه على أحد من رسله وحياً، وما ذلك إلاّ تيسيراً من اللّه للعباد وتسهيلاً؛ وليكون الخطاب بيّناً ظاهراً ومُظهراً :

(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 1-2)

مبين واضح. تِلْكَ إسم إشارة للبعيد. (الر تِلْكَ) تأكيد على أنّ كلام اللهِ غيرُ مفهوم للبشر من قبل تنـزله قرءانا عربيا على قلب وسمع الرسول محمد: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (يوسف 2).

 

يعتبرُّ التنزيل الأول (إلى اللوح المحفوظ) تنزّل مكاني ومعنويّ أيضاً (تنزّل الدّرجة والرّتبة والمكانة): يتشرّف القلم المخلوق بأن يكتب بعض كلام الله الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه؛ وكلامُه غيرُ مخلوق.

يعتبرُّ التنزيل الثاني للقرآن (كتابته ثانيةً في اللّوح المحفوظ ليقرأه جبريل عربيّاً) تنزّل مكاني ومعنويّ أيضاً : يتشرّف القلم المخلوق بأن يكتب الْقُرْءَان (كلام اللّه باللّغة العربيّة وهو غير مخلوق) ، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه هذا باللّغة العربيّة.  التنزّل المعنويّ (تنزّل الدّرجة والرّتبة والمكانة) الجديد هنا هو نزولٌ عن مرتبة كلام الله الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلى مرتبة كلام الله (ليس كمثله شيء) بلغة العرب، أو أنّ جبريل عليه السلام قد سمع الْقُرْءَان من اللّه باللّغة العربيّة: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف 3) ، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2).

وللقرآن تنزّلات أُخرى كثيرة منها:

التنزيل الرابع : نزول جبريل به على الرّسول محمّد عليهما السّلام بلسان عربي.  وهذا التنزّل وما سبقه من تنزّلات فيها جميعاً أسرار حروف فواتح السور:

هذه الحروف تجمعها العبارة : نص حكيم قاطع له سر.  والمهم أنّها جزء من حروف هجاء اللّغة العربيّة : (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ ، و الحسنةُ بعشرِ أمثالِها ، لا أقول الم حرفٌ و لكن : ألِفٌ حرفٌ ، و لامٌ حرفٌ ، و ميمٌ حرفٌ) ([15]).  إنّها جزء من حروف هجاء اللّغة العربيّة.  ولكنّ الْقُرْءَان نزل عربيّا مبيناً واستخدمت كلماتُه وآياتُه جميعَ حروف اللّغة العربيّة.  هذه الحروف فيها إشارة إلى حالة كلام اللّه قبل تنزّله عربيّا مبينا على الرّسول محمد بواسطة جبريل عليهما السّلام.  فلقد كان كلام اللّه على هيئة وكيفية لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام (وبدايته ليست بلغات البشر) .  فلا يصحّ إلاّ أن ننزه كلام الله عن مشابهة كلام البشر؛ ومن جميع الوجوه.  فمثلاً نثبت للّه يدان اثنتان وكلتاهما يمين؛ ويكون هذا الإيمان فيه إثبات اليدين من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). يقدّر قطر الجزء المرئي من الكون بحوالي 98 مليار سنة ضوئيّة!.  ويقدر نصف قطر الكون بحوالي 7 تريليون سنة ضوئيّة!. أي المسافات تُعجِزُ الضوء!.  إنّ تصوّر هذه العظمة الرّبانيّة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) لهي فوق مقدور العقل الإنساني.  وبنفس الكيفية فإنّ الكلام صفة ذات وفعل للّه سبحانه وتعالى؛ وتشير حروف فواتح السور إلى أنّ كلام اللّه في أصله لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام؛ بل هو بغير لغات البشر.  وحين يشاء اللّه أن ينزل وحيه إلى أحد من رسله ، فإنّه يصيّر كلامه هذا ووحيه بلغة القوم المخاطبين بالرّسالة حتى تتحقّق الإبانة وبالتالي الإفادة من الوحي والرّسالة.  والْقُرْءَان نزل على محمّد بلسان عربيّ مبين (بلسان قريش).  أمّا حروف فواتح السور فتستخدم نصف حروف هجاء اللّغة العربيّة ، ممّا يشير إلى حالة تتعذّر معها الإبانة ؛ ألا وهي حالة ما قبل التنزيل على قلب سيّد المرسلين ؛ بأن قرأه جبريل والرّسول محمّد يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 192- 195).  وأمّا حالةُ الْقُرْءَان مكتوباً في اللوح المحفوظ ، فليس للبشر من سبيل لأن يرتقوا إلى اللّوح المحفوظ ، ولا ندري كيفية القراءة من اللّوح المحفوظ .  وبالتالي كان من رحمة اللّه ولطفه أن أنزل هذا الْقُرْءَان بواسطة جبريل على قلب محمّد عليهما السّلام بلسان عربي مبين حتى تنتفع البشريّة بهذا الوحي.  وهذا واللّه أعلم جزء من أسرار حروف فواتح السور.

الآيات التالية من سورة الشعراء

(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء 212-210)

إنّ الشياطين معزوله عن الْقُرْءَان بمشيئة اللّه وتقديره أنّ الْقُرْءَان وحي اللّه إلى محمّد من خلال جبريل عليه السّلام ؛ لا أنّ الشياطين معزوله عن الْقُرْءَان بسبب الشّهب.  يقول الطبري في تفسيره:

(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين ): يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهَذَا الْقُرْءَان الشَّيَاطِين عَلَى مُحَمَّد, وَلَكِنَّهُ يَنْزِل بِهِ الرُّوح الْأَمِين .  ( وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) : وَمَا يَنْبَغِي لِلشَّيَاطِينِ أَنْ يَنْزِلُوا بِهِ عَلَيْهِ , وَلَا يَصْلُح لَهُمْ ذَلِكَ .  وَمَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْزِلُوا بِهِ , لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى اِسْتِمَاعه فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ السَّمَاء (في اللّوح المحفوظ).  (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ): : إِنَّ الشَّيَاطِين عَنْ سَمْع الْقُرْءَان مِنْ الْمَكَان الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ السَّمَاء لَمَعْزُولُونَ , فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَنَزَّلُوا بِهِ.

وجدير بالملاحظة أنّ معنى السّماء التي تسترق منها الشياطين السّمع هو العنان أو السّحاب كما في الحديث الشريف:- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. ) ( البخاري \ بدء الخلق \ حديث رقم (2971.

يمكننا القول أنّ هذه الآيات تؤكّدُ النفي أربع مرّات : (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ، وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ).  الآيات تؤكّدُ النفي لإمكانيّة سماع هذا الْقُرْءَان إلاّ من بعد وحيه إلى الرّسول محمد (صلى اللّه عليه وسلّم).  بدليل أنّ رسالة محمد هي إلى الثقلين (الإنس والجنّ) : فلقد أعجبَ الْقُرْءَان الجنَّ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) (الجن 1).  فآمنوا به : (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن 2).  آمنوا به فور سماعه من الرّسول محمّد ألّذي تنزّل عليه الْقُرْءَان عربيّاً مبيناً.

ويتّضح هذا من الآيات الكريمات:

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 192- 195).  أي هو تنزيلٌ من اللّه، نزل بواسطة الرّوح الأمين ، وهو : ملك الوحي جبريل (عليه السّلام)، المأمون على وحي اللّه، أنزله على قلب سيّد المرسلين ، بأن قرأه وهو يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه.  فليس لأحد من الثقلين سبيل لسماع الْقُرْءَان من قبل أن ييلّغه الرّسول محمد صلى الله عليه وسلّم.

هذا وإنّ للقرآن تنزّلات أخرى كثيرة منها:

التنزيل الرابع : أُنزِلَ الْقُرْءَان بلسانِ قريشٍ وعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ

التنزيل الخامس : نزوله منجّما (النزولُ مفرّقا وفي مُهْلة)

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء 106)

التنزيل السادس : التّرتيب للآيات والسور توقيفي

والتّنزيلُ من معانيه التّرتيب.

التنزيل السّابع: منازل بعض الآيات والسّور

(أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)

تقسيم الْقُرْءَان الكريم

مواضيع رئيسة في آيات الْقُرْءَان الكريم

خصوصيّة بعض السّور

السَّبعُ المثاني

البقرةُ وآلُ عِمرانَ

يومَ الجمعةِ قرأَ بسورةِ الجمعةِ في السَّجدةِ الأولى ، وفي الآخرةِ إذَا جاءَكَ المُنافِقُونَ

قرأ رسولُ اللَّهِ سورةَ الرَّحمنِ على الجنِّ ليلةَ الجنِّ

كان رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) يَقرأُ في الفِطْرِ والأضحى بـ ق والْقُرْءَان المجيد و اقتربت الساعة

المعوذات

التنزيل الثّامن : الْقُرْءَان ناسخٌ لما سبق وَمُهَيْمنٌ عَلَيْهِ

- (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48).  تتطور الرسالات مع تطور البشرية؛ إلى أن نزل هذا القرءان المهيمن على الكتب.  وبنفس الكيفية؛ تتدرج الأحكام في الشريعة الواحدة؛ فيكون النسخ.

التنزيل التّاسع : النّسخ في الْقُرْءَان

(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 106) . النسخُ على الأحكام ولا يكون على الأخبار.

التنزيل العاشر : تكفّل اللّه بحفظ الْقُرْءَان على مرّ الزمان والمكان، وأن تتلقاه الأجيال بالتواتر ، وأن تعمّ هدايته الأصقاع.  ولا يزال الْقُرْءَان محفوظا بحفظ الله أبداً : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وتتلقاه الأجيال بالتواتر.  وهذا من أوجه تنزّلات الْقُرْءَان.

وفيما يلي محاولة ربط حروف فواتح السور مع أسماء الْقُرْءَان وصفاته:

(http://www.alquran-network.net/asmaequran.htm)

ذكر علماء الْقُرْءَان والتفسير عدة أسماء وصفات سَمّى الله تعالى بها الْقُرْءَان، وعبّر بها عنه ويمكن تصنيف تلك الأسماء إلى ثلاث مجموعات ([16]):

المجموعة الأولى:

وهي طائفة من الأسماء التي تشير إلى ذات الكتاب وحقيقته، وهي الأسماء التالية:

- 1 الْقُرْءَان: قال تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي للّتي هي أقوم...} (الإسراء 9).  (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ) (الحجر 1).  وكما في قول الله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصّلت 3) ، و معنى الْقُرْءَان في الأصل هو القراءة ، قال العلامة الطبرسي : الْقُرْءَان : معناه القراءة في الأصل ، و هو مصدرُ قرأتُ ، أي تَلَوْتُ ، وهو المَرْوِي عن إبن عباس ، و قيل هو مصدرُ قرأتُ الشيء ، أي جَمَعْتُ بعضه إلى بعض.  الْقُرْءَان كتاب هداية إذ أصبح مقروءاً بعد تنزّله بلسان عربيّ مبين.  والهمزة من الاسم (الْقُرْءَان) ليست من حروف فواتح السّور .  إنّ الْقُرْءَانَ أعظم نعمة وهداية ، وليس من سبيل للانتفاع به إلاّ بعد تنزّله عربيّاً مبيناً؛ وذلك كي يعقله المخاطبون به :  (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ، (وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ) ، (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ).  ويشيرُ إلى هذا أنّ حرف الهمزة و حرف الباء من الآية: (وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ)، وكذلك حرف التاء و حرف الباء من الآيات السابقة : (كِتَابٌ فُصِّلَتْ) ، (آيَاتُ الْكِتَابِ) ليست من حروف فواتح السّور.  وفي هذا إشارة إلى عدم تحقّق نعمة الهداية بالْقُرْءَان إلاّ بعد تنزّله عربيّاً مبيناً وبكلّ حروف الهجاء.

 - 2كلام الله: قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} (التوبة  6) . أضافه اللهُ إليه لأنه كلامه سبحانه وتعالى، فهذا الْقُرْءَان كلام الله، تكلم به حقيقة، فكل حرف منه، فإن الله قد تكلم به .( شرح العقيدة الواسطية / محمد بن عثيمين).  الكلام صفة ذات وفعل للّه سبحانه وتعالى، وكلامه في أصله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.  واللّه سبحانه وتعالى أنزل قليلاً من كلامه عن مرتبته الأصليّة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلامه (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) ، ثمّ أمر القلم أن يكتبه في اللّوح المحفوظ، وأمر جبريل أن ينزل بوحيه على محمّد (عليهما السّلام) لكي يعقلوه : (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

الاسم كلام الله (للْقُرْءَان) جميع حروفه جزءٌ من مجموعة حروف فواتح السّور.  يبيّن هذا أنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه في أصله وقبل تنزّله (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.  بنفس الاعتقاد الذي ننزّه فيه صفات اللّه عن مشابهة صفات البشر ، فإنّ أصل كلام اللّه ليس من جنس كلام البشر.  بل إنّ الإنسان غير مؤهّل لإدراك كيفيّة (كلام الله) كما أنّه غير مؤهّل لإدراك كيفية صفات اللّه؛ فالكلام صفة ذات وفعل للّه سبحانه وتعالى.  الوحي والتنزيل يتطلّب أن يُنزلَ اللّهُ كلامه عن مرتبة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وبغير لغات البشر إلى مرتبة كلامه المعجز والّذي ليس كمثله شيء؛ لكن بلغة القوم المرسل إليهم.  وذلك تحقيقاً للبيان والوضوح؛ وتيسيراً على الأفهام حتى تتحقّق الهدايةً بالوحي.  لقد أخبرنا اللّه الحكيم اللّطيف الرّحيم أنّه لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم 4).  الْقُرْءَان مبينٌ بعد تنزّله على رسولنا محمّد بلسان قومه (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) لعلّهم يعقلون.  والقرءان هو نموذج لتنزّل كلام اللّه عن مرتبة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلى مرتبة يستطيع أن يفهمها المجدُّ الذي يقرأ اللّغة العربيّة.  يتبيّن هذا من تعريف القرءان : فهو كلام الله سبحانه وتعالى المنزل بواسطة جبريل على النبي محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باللغة العربية ، المتحدى به  (لفظاً ومعنى) المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة و المختوم بسورة الناس.

 - 3الروح: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( الشورى 52).  قوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْك رُوحًا مِنْ أَمْرنَا " يَعْنِي الْقُرْءَان " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " أَيْ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي شُرِعَ لَك فِي الْقُرْءَان" وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ " أَيْ الْقُرْءَان " نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاء مِنْ عِبَادنَا. ... وَقَوْله تَعَالَى " وَإِنَّك " أَيْ يَا مُحَمَّد " لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " وَهُوَ الْخُلُق الْقَوِيم (ابن كثير، ج  4 ، ص 155).  وما كان مُحَمَّدٌ ليهدي بهذا الْقُرْءَان لولا تنزّله عليه بلسان عربيّ مبين؛ وذلك لكي يعقلوه .  وحرفا الواو والهمزة من الاسم (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) ليسا من حروف فواتح السّور.  وبالتالي لا تتحقّق نعمة الهداية بالْقُرْءَان : (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) ، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إلاّ بعد تنزّله عربيّا مبيناً (وبكلّ حروف الهجاء).

 - 4الْحَقُّ: قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء 81).  وَقَوْله : " وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل " الْآيَة : تَهْدِيد وَوَعِيد لِكُفَّارِ قُرَيْش فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه الْحَقّ الَّذِي لَا مِرْيَة فِيهِ وَلَا قِبَل لَهُمْ بِهِ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّه بِهِ مِنْ الْقُرْءَان وَالْإِيمَان وَالْعِلْم النَّافِع وَزَهَقَ بَاطِلهمْ أَيْ اِضْمَحَلَّ وَهَلَكَ فَإِنَّ الْبَاطِل لَا ثَبَات لَهُ مَعَ الْحَقّ وَلَا بَقَاء " بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق " .

الحقّ صفة ذاتية للّه ولكلامه سبحانه.  والآيات في هذا كثيرة ؛ ومنها :  (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس 32).  أَيْ فَهَذَا الَّذِي اِعْتَرَفْتُمْ بِأَنَّهُ فَاعِل ذَلِكَ كُلّه هُوَ رَبّكُمْ وَإِلَهكُمْ الْحَقّ الَّذِي يَسْتَحِقّ أَنْ يُفْرَد بِالْعِبَادَةِ " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " أَيْ فَكُلّ مَعْبُود سِوَاهُ بَاطِل لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ " فَأَنَّى تُصْرَفُونَ " أَيْ فَكَيْف تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَته إِلَى عِبَادَة مَا سِوَاهُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبّ الَّذِي خَلَقَ كُلّ شَيْء وَالْمُتَصَرِّف فِي كُلّ شَيْء (تفسير ابن كثير، ج 2 ، ص  548).

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة 91).  أيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْحَقّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (تفسير ابن كثير، ج 1 ، ص 177).

(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (البقرة 147).  ثَبَّتَ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مِرْيَة فِيهِ وَلَا شَكَّ فَقَالَ الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِين (تفسير ابن كثير، ج 1 ، ص 265).

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة 213)

)وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة 48)

(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (المائدة 84-83).  فَقَالَ " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ " أَيْ مِمَّا عِنْدهمْ مِنْ الْبِشَارَة بِبَعْثَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ " رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " أَيْ مَعَ مَنْ يَشْهَد بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِن بِهِ (تفسير ابن كثير، ج 2 ، ص 119).

(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام 66).  قُول تَعَالَى " وَكَذَّبَ بِهِ " أَيْ بِالْقُرْءَان الَّذِي جِئْتهمْ بِهِ وَالْهُدَى وَالْبَيَان " قَوْمك " يَعْنِي قُرَيْشًا " وَهُوَ الْحَقّ " أَيْ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقّ . ([17]).

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة 33).

وبما أنّ الحقّ صفة ذاتية للّه ولكلامه سبحانه ؛ فإنّنا نلاحظ أنّ حروف هذا الاسم (الْحَقُّ) جميعها من ضمن حروف فواتح السّور.  فكلام اللّه هو الحقّ من قبل تنزّله عربيّا ومن بعد تنزّله (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا).

 - 5التنزيل: قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزل به الرّوح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربيّ مبين} (الشعراء 195-192).  التنزيل هو اسم وصفة لمنزّل.  وإنّ حرف الزين وحرف التاء من الآية (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ليسا من حروف فواتح السّور؛ ممّا يشير إلى أنّ الْقُرْءَان تنزيل بعد أن نزل قُرْءَانًا عَرَبِيًّا مبيناً بجميع حروف اللّغة العربيّة : (بلسان عربيّ مبين).

 - 6الكتاب: قال تعالى {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (يوسف 1).  )وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة 231).  (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر 1) .  وكما في قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ .  إنّ الْقُرْءَان أعظم نعمة لمن اتّعظ به (يَعِظُكُمْ بِهِ) ، وليس من سبيل للاتعاظ به إلاّ بعد تنزّله ()وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) ، ويكون الْقُرْءَان عظة بعد أن يعقله المخاطبون به (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ).  ويشيرُ إلى هذا أنّ حرفي التاء والباء من الآية (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ليسا من حروف فواتح السّور.  وبالتالي لا تتحقّق نعمة الهداية بالْقُرْءَان إلاّ بعد تنزّله عربيّا مبيناً.

 - 7الأمر: قال تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ } (الطلاق 5).  الْقُرْءَان أَمْرُ اللَّهِ للبشرية بعد أن أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ عربيّا مبيناً وبيّنا وواضحاً:  فمن لطف اللّه أنّه يبعث الرّسل بلسان أقوامهم لكي يعقلوا الرّسالة.  ويدلُّ عليه أنّ حرف الألف الذي تعلوه الهمزة من الآية (أَمْرُ اللَّهِ) ليس من حروف فواتح السّور.

 - 8القول: قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ} (القصص 51).  ولا يكون هذا (وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ) إلاّ بعد أن يبدأ تنزّل الوحي والكتاب على الرّسول .  ويدلُّ عليه أنّ حرف الواو من (الْقَوْلَ) ليس من حروف فواتح السّور.

 - 9الوحي: قال تعالى: {إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} (الأنبياء 45).  لا تكون النّذارة بالوحي (أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) إلاّ بعد أن يبدأ تنزّل الوحي والكتاب على الرّسول .  ويدلُّ عليه أنّ حروف ألهمزة والذال (أُنذِرُكُمْ) والباء والواو (بِالْوَحْيِ) من الآية (أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) ليست من حروف فواتح السّور.

المجموعة الثانية: وهي الطائفة التي تشير إلى صفات الْقُرْءَان الذاتية.

وذلك كالأسماء التالية:-

 - 1الكريم: قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة 79-77).  حروف " كَرِيمٌ " جميعها من حروف فواتح السّور.  الكريم صفة ذاتيّة لكلام اللّه المتّصف بجميع صفات الكمال ؛ والّتي منها أنّه الكَرِيمُ سبحانه.  وليس من نعمة أفضل من نعمة الهداية بالْقُرْءَان الكَرِيم والّتي أكرمنا بها الكَرِيمُ سبحانه.

- 2 لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ : قال تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف 4).  هذا في أصله (في أمّ الكتاب) ، ويدلّ عليه أيضاً أنّ حروف " لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " جميعها من ضمن حروف فواتح السّور.

- 4 الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ: قال تعالى: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ ما جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ) (الرعد  37).  حروف هذا الاسم " الْعِلْمِ " جميعها من ضمن حروف فواتح السّور.

- 5 قُرْآنٌ مَجِيدٌ: قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) (البروج 21).  لا تتحصّل قراءته (قُرْآنٌ) إلاّ بعد تنزّله ، ويدلّ عليه أنّ حرف الهمزة (قُرْآنٌ) والجيم (مَجِيدٌ) ليست من حروف فواتح السّور.

- 6 كِتَابٌ عَزِيزٌ: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) (فُصّلت 41).

" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ" قَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَهُوَ الْقُرْءَان " وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز " أَيْ مَنِيع الْجَنَاب لَا يُرَام أَنْ يَأْتِي أَحَد بِمِثْلِهِ (ابن كثير، ج  4 ، ص 130).

أَيْ عَزِيز عَلَى اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس ; وَعَنْهُ : عَزِيز مِنْ عِنْد اللَّه . وَقِيلَ : كَرِيم عَلَى اللَّه . وَقِيلَ : " عَزِيز " أَيْ أَعَزَّهُ اللَّه فَلَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ بَاطِل . وَقِيلَ : يَنْبَغِي أَنْ يُعَزّ وَيُجَلّ وَأَلَّا يُلْغَى فِيهِ . وَقِيلَ : " عَزِيز " مِنْ الشَّيْطَان أَنْ يُبَدِّلهُ ; قَالَهُ السُّدِّيّ . مُقَاتِل : مُنِعَ مِنْ الشَّيْطَان وَالْبَاطِل . السُّدِّيّ : غَيْر مَخْلُوق فَلَا مِثْل لَهُ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : " عَزِيز " أَيْ مُمْتَنِع عَنْ النَّاس أَنْ يَقُولُوا مِثْله (القرطبي، م 8، ج 15، ص 239).  وإنه لكتاب عزيز" منيع (تفسير الجلالين).

قَوْله :( وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز) يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ هَذَا الذِّكْر لَكِتَاب عَزِيز بِإِعْزَازِ اللَّه إِيَّاهُ , وَحِفْظه مِنْ كُلّ مَنْ أَرَادَ لَهُ تَبْدِيلًا , أَوْ تَحْرِيفًا , أَوْ تَغْيِيرًا , مِنْ إِنْسِيّ وَجِنِّيّ وَشَيْطَان مَارِد . ... وعَنْ قَتَادَة , قَوْله (وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز) يَقُول : أَعَزَّهُ اللَّه لِأَنَّهُ كَلَامُهُ, وَحَفِظَهُ مِنَ الْبَاطِل ومِنَ الشَّيْطَان (الطبري، م 12، ص 155).

والعزيز: هو من أسماء الله سبحانه وتعالى.  وكلام اللّه هو صفته ؛ فكانت العزّة لكلامه سبحانه.  وعَنْ قَتَادَة , قَوْله : (وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز) يَقُول : أَعَزَّهُ اللَّه لِأَنَّهُ كَلَامُهُ , وَحَفِظَهُ مِنَ الْبَاطِل (الطبري، م 12، ص 155).  واسم اللّه (العزيز) ؛ على ما رجحه الشيخ إبن عثيمين رحمه اللّه ؛ له ثلاثة معاني : العزيز بمعنى ذو القدر والشرف، العزيز بمعنى القهر والغلبة، والعزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء مأخوذة من أرض عزاز أي صلبة لاتؤثر فيها الفؤوس.  إذا العزة للقرآن (وَإِنَّهُ لَكِتَاب عَزِيز) لها ثلاثة معاني:

عزة القدر: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف 4-3).  جَعَلْنَاهُ بِلُغَةِ الْعَرَب "لَعَلَّكُمْ" يَا أَهْل مَكَّة "تَعْقِلُونَ" تَفْهَمُونَ مَعَانِيه.  "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا" بَدَل : عِنْدنَا "لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة (ابن كثير، ج 4 ، ص 156).  عزّة القدر هذه (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) يناسبها أنّ حروف (لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) جميعها موجودة من ضمن مجموعة حروف فواتح السّور؛ ممّا يشير إلى أنّ هذه الصّفة (لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) ذاتية للقرآن ؛ من قبل ومن بعد تنزّله عربيّا على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم).

عزة القهر: وفي هذا آيات وأحاديث ؛ ومن الآيات:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة 33).  وقوله سبحانه : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف 9).  وقوله سبحانه : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (الفتح 28).  عزّة القهر يدلّ عليها صفة الْقُرْءَان (العزيز) ؛ وتجدر الملاحظة أنّ البشرية لم تكن لتلمس عزّة القهر (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) من غير تنزّل الْقُرْءَان (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم).  ويدلّ عليه أنّ حرف الزين من صفة الْقُرْءَان (العزيز) ليس من حروف فواتح السّور.

وفي الأحاديث:

لا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ:

(ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، يعزُّ بعزِّ اللَّهِ في الإسلامِ، ويذلَّ بِهِ في الكفر وَكانَ تميمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، يقولُ: قد عَرفتُ ذلِكَ في أَهْلِ بيتي لقد أصابَ مَن أسلمَ منهمُ الخيرَ والشَّرفَ والعِزَّ، ولقد أصابَ مَن كانَ كافرًا الذُّلَّ والصَّغارَ والجِزيةَ) ([18]) .

(ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه وذلًّا يذلُّ اللهُ به الكفرَ , وكان تميمٌ الداريُّ يقولُ عرفت ذلك في أهلِ بيتِي لقد أصاب مَن أسلمَ منهم الخيرَ والشرفَ والعزَّ ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا الذلَّ والصغَارَ والجزيةَ) ([19]) .

(ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلَّا أدخلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ ، بعِزِّ عزيزٍ ، أو بذلِّ ذليلٍ ، عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ ، وذلًّا يذِلُّ اللهُ به الكفرَ) ([20]) .

واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتٍ ، لا يخافُ إلا اللهَ ، أو الذئبَ على غنمِهِ

(شكونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو متوسِّدٌ بُردةً له في ظلِّ الكعبةِ، فقلنا : ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا ؟ فقال : ( قد كان مَن قبلكم، يؤخذ الرجلُ فيحفرُ له في الأرضِ، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشارِ فيوضع على رأسِه فيجعلُ نصفين، ويمشط بأمشاطِ الحديدِ ما دون لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه، واللهِ لَيُتمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرمَوتٍ، لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجِلون ) ([21]).

وعزة الامتناع : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة 24-23).  وقوله سبحانه : (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَان أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (يونس 39-37).  عزة الامتناع هذه والتّحدي بالْقُرْءَان (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) لا يصحّ أن تكون من قبل تنزّل الْقُرْءَان (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم).  ويدلّ عليه أنّ حرف الزين من صفة الْقُرْءَان (العزيز) ليس من حروف فواتح السّور.

ويمتنع أن يناله السوء : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر 9).  والحفظ تابع للتنزيل ؛ وهو من معانيه.

 - 7المبارك: قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) (ص 29).  " أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ".  تتحصّل البشرية على بركة الْقُرْءَان بعد تنزّله على الرّسول (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء).  ويدلّ عليه أنّ حرف الباء من الاسم (مُبَارَكٌ) ليس من حروف فواتح السّور.

 - 8 قُرْآناً عَجَباً: لقد أعجبَ الْقُرْءَان الجنَّ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) (الجن 1).   فآمنوا به (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدً) (الجن 2).  آمنوا به فور سماعه من الرّسول محمّد ألّذي تنزّل عليه الْقُرْءَان عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء.  ويدلّ عليه أنّ حروف الهمزة والجيم والباء (قُرْآناً عَجَباً) ليست من حروف فواتح السّور.  وكذلك  حرفي الدال والشين (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) ليست من حروف فواتح السّور.

 - 9الصدق: قال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر 33).  (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) لا يكون هذا إلاّ بعد بعثة الرّسول وتنزّل الْقُرْءَان عليه (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) ، ويدلّ عليه أنّ حرف الدّال (جَاءَ بِالصِّدْقِ) ليس من حروف فواتح السّور.

قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَابْن زَيْد : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ السُّدِّيّ هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام " وَصَدَّقَ بِهِ " يَعْنِي مُحَمَّدًا وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ " قَالَ مَنْ جَاءَ بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه " وَصَدَّقَ بِهِ " يَعْنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ الرَّبِيع بْن أَنَس " الَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ " يَعْنِي الْأَنْبِيَاء " وَصَدَّقُوا بِهِ " يَعْنِي الْأَتْبَاع . وَقَالَ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ " قَالَ أَصْحَاب الْقُرْءَان الْمُؤْمِنُونَ يَجِيئُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ هَذَا مَا أَعْطَيْتُمُونَا فَعَمِلْنَا فِيهِ بِمَا أَمَرْتُمُونَا . وَهَذَا الْقَوْل عَنْ مُجَاهِد يَشْمَل كُلّ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ الْحَقّ وَيَعْمَلُونَ بِهِ وَالرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاس بِالدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَى هَذَا التَّفْسِير فَإِنَّهُ جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ " هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَصَدَّقَ بِهِ " قَالَ الْمُسْلِمُونَ " أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا اِتَّقَوْا الشِّرْك (تفسير ابن كثير، ج  4 ، ص 70 ) .

المجموعة الثالثة:

وهي الطائفة التي تشير إلى صفات الْقُرْءَان التأثيرية، التي تشير إلى علاقة الْقُرْءَان بالناس.  تجدر الملاحظة هنا أنّ جميع صفات الْقُرْءَان هذه فيها على الأقل حرف ليس من حروف فواتح السّور.  ويشير هذا إلى أنّ صفات الْقُرْءَان التأثيرية، وعلاقة الْقُرْءَان بالناس لا تكون إلاّ بعد تنزّله (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) ؛ وهذا ما تشير إليه حروف فواتح السّور التي هي نصف حروف اللّغة العربيّة؛ حيث لا تتحقّق الإبانة إلاّ أن يكون الوحي بجميع حروف اللّغة العربيّة.  وبالتالي فإنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه في أصله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.  وإنّما ينزّل اللهُ وحيَه على رسله بلغة القوم حتى يعقلوا الخطاب.

والأسماء التي تشير إلى صفات الْقُرْءَان التأثيرية هي:

 - 1الرحمة: قال تعالى: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) (لقمان 3).  (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (يونس 57).  (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58).  الْقُرْءَان رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلْمُحْسِنِينَ ، وهو فَضْل اللَّهِ وَرَحْمَته بعد تنزّله على الرّسول عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرفي الدال والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (هُدًى وَرَحْمَةً) ليسا من حروف فواتح السّور.  وكذلك حروف الفاء والضاد والتاء في صفة الْقُرْءَان (فَضْل اللَّهِ وَرَحْمَته) ليست من حروف فواتح السّور.

- (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58).  أَيْ بِهَذَا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه مِنْ الْهُدَى وَدِين الْحَقّ فَلْيَفْرَحُوا فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا يَفْرَحُونَ بِهِ " هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " أَيْ مِنْ حُطَام الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ الزَّهْرَة الْفَانِيَة الذَّاهِبَة لَا مَحَالَة كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو : سَمِعْت أَيْفَع بْن عَبْد اللَّه الْكُلَاعِيّ يَقُول لَمَّا قَدِمَ خَرَاج الْعِرَاق إِلَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خَرَجَ عُمَر وَمَوْلًى لَهُ فَجَعَلَ عُمَر يَعُدّ الْإِبِل فَإِذَا هِيَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ عُمَر يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُول مَوْلَاهُ هَذَا وَاَللَّه مِنْ فَضْل اللَّه وَرَحْمَته فَقَالَ عُمَر : كَذَبْت لَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُول اللَّه تَعَالَى " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ " الْآيَة وَهَذَا مِمَّا يَجْمَعُونَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ حَيْوَة بْن شُرَيْح عَنْ بَقِيَّة فَذَكَرَهُ (تفسير ابن كثير، ج 2 ، ص 553-554) .

- 2 الذِّكْر: كما في قول الله عزَّ وجلَّ: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ).  يقول ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر ، وهو القرآن ، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.  والقرآن شرفٌ لمن آمن به و صَدَّقَ بما فيه؛ والآيات في هذا كثيرة ومنها:

(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) (الزخرف 44.).  (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء 2).  (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء 5).  (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء 10).  (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الأنبياء 50).

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف 63).  )وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف 104).  (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يس 69).  (ص وَالْقُرْءَان ذِي الذِّكْرِ) (ص 1).  (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) (ص 49).  (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (ص 87).  )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر 23).  (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (الزخرف 5)..  (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف 36).  (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (القلم 52).  (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (الجنّ 17).  (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (التكوير 27).  الْقُرْءَان ذِكْرٌ بعد تنزّله على الرّسول عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرف الذال في صفة الْقُرْءَان (ذِكْرٌ، الذِّكْرَ) ليس من حروف فواتح السّور.

 - 3الموعظة: قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران 138).  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) (يونس 57).  لا يكون الْقُرْءَان موعظة للنّاس إلاّ بعد تنزّله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء).  في حين أنّ حروف الواو والظا والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (مَوْعِظَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.

- 4 شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ: قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَان مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء 82).  الْقُرْءَان شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بعد تنزّله على الرّسول عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء) ؛ وبعد الإيمان به.  في حين أنّ حروف الشين والفاء والهمزة والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.

 - 5التذكرة: قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) (المُدَّثر 54).  الْقُرْءَان تَذْكِرَةٌ بعد تنزّله على رسولنا محمّد عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء)، وهذا ما توضّحه الآية.  في حين أنّ حروف التاء المفتوحة والذال والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (تَذْكِرَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.

- 6 الْمُبِين: قال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف 1).  الْقُرْءَان مبينٌ بعد تنزّله على رسولنا محمّد بلسان قومه لعلّهم يعقلون؛ أي بعد تنزّله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء).  في حين أنّ حرف الباء في صفة الْقُرْءَان (الْمُبِينِ) ليس من حروف فواتح السّور.  وصفة الْقُرْءَان هذه توضّحها العديد من الآيات ، ومنها:  ) قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة 15).  أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ الْقُرْءَان الْعَظِيم الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه الْكَرِيم فَقَالَ " قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه نُور وَكِتَاب مُبِين يَهْدِي بِهِ اللَّه مَنْ اِتَّبَعَ رِضْوَانه سُبُل السَّلَام " .(تفسير ابن كثير، ج 2 ، ص 48).  (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل 103).  (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195-193).  (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْءَان وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل 1).  )وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يس 69).  (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الملك 26).  (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الأعراف 184).  (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (يس 17).  (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (التغابن 12).

  - 7البلاغ: قال تعالى: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء 106).  البلاغ من الرّسول بالْقُرْءَان لِقَوْمٍ عَابِدِينَ لا يكون إلاّ بعد الوحي والرّسالة، والتي كانت بلسان عربيّ مبين؛ أي بعد تنـزل الْقُرْءَان عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء).  في حين أنّ حرفي الباء والغين في صفة الْقُرْءَان (البلاغ) ليسا من حروف فواتح السّور.

ويتّضح هذا من الآيات: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النحل 82).  (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النور 54).  (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (العنكبوت 18)..

  - 8البشير والنذير: قال تعالى: (بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكثرهم فهم لا يؤمنون) (فُصِّلَتْ 4).  البشارة والنّذارة ، والإيمان أو الإعراض لا تكون إلا مع الرّسالة والتي كانت بلسان عربيّ مبين ؛ أي بعد تنزّل الْقُرْءَان عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء).  في حين أنّ حرفي الباء والشين في صفة الْقُرْءَان (بَشِيراً) ليسا من حروف فواتح السّور.  وكذلك حرف الذال في صفة الْقُرْءَان (نَذِيراً) ليس من حروف فواتح السّور.

  - 9بَصَائِرُ لِلنَّاسِ: قال تعالى (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) (الجاثية 20).  الْقُرْءَان بَصَائِرُ (لِلنَّاسِ) بعد تنزّله بلسان عربيّ مبين ؛ أي بعد تنزّله بكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرفي الباء والهمزة في صفة الْقُرْءَان (بَصَائِرُ) ليسا من حروف فواتح السّور.

  - 10 بَيَانٌ لِلنَّاسِ: قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) )آل عمران 138).  الْقُرْءَان بَيَانٌ لِلنَّاسِ بعد تنزّله بلسان عربيّ مبين ؛ أي بعد تنزّله بكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرف الباء في صفة الْقُرْءَان (بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ليس من حروف فواتح السّور.

  - 11 البُرْهَانُ والنُّور : كما في قول الله عزَّ وجلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) (النساء 174).  الْقُرْءَان أصبح (نُورًا مُّبِينًا) بعد تنزّله (قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)؛ أي بعد تنزّله بلسان عربيّ مبين وبكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرفي الواو والباء في صفة الْقُرْءَان (نُورًا مُّبِينًا) ليسا من حروف فواتح السّور.  وكذلك حرف الباء من صفة (بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ) ليس من حروف فواتح السّور.

  - 12الهدى: قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة 2).  الْقُرْءَان هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بعد تنزّله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء)، ثمّ بعد تنزّله على قلوب الأمّة ، وعلى واقعها.  في حين أنّ حرف الدال في صفة الْقُرْءَان (هُدًى) ليس من حروف فواتح السّور.

  - 13الفُرْقَان : كما في قول الله جَلَّ جَلاله) : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان 1).  قال الطبرسي: سُمِيَ بذلك لأنه يُفَرِّقُ بين الحق و الباطل بأدلته الدَّالة على صحة الحق و بطلان الباطل.  الْقُرْءَان فُرْقَان بعد أن نَزَّلَه اللّهُ عَلَى عَبْدِهِ ؛ أي بعد تنزّله عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء.  في حين أنّ حرف الفاء في صفة الْقُرْءَان (الْفُرْقَانَ) ليس من حروف فواتح السّور.

وكذلك الإنـزال على موسى وهارون وغيرهم من الرّسل:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) (الأنبياء 48)

 

النتيجة

حروف فواتح السّور تشكّل فقط نصف حروف اللّغة العربيّة.  بينما نعلم أنّ القرءان نـزل عربيّاً وعلى سبعة أحرف تيسيراً وتفصيلا وبياناً.  ولا يكون التّنـزيل العربيّ ولا تتحقّق الإبانة إلا بجميع حروف اللّغة العربيّة.  وبالتالي فإنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه (وهو صفة من صفاته) في أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .  وإنّما ينـزل الله وحيه على رسله بلسان القوم حتى يعقلوا الخطاب.  القرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي (. وإنّ الإنسان محدودةٌ طاقته وقدرته، وهو عاجزٌ عن إدراك حقيقة صفات الله التي تجلّي الكمال المطلق واللانهائي:  والكلام من صفاته سبحانه، وما كان لبشر أن يكلّمه اللّهُ إلا وحياً أو من وراء حجاب.  ولا نسمعُ الموحَى إلا بعد أن يقرأهُ البشرُ الرّسولُ الذي يوحي إليه اللّهُ من خلال جبريل وبلسان قومه تيسيراً ولطفاً من اللّه بعباده ولعباده من أجل أن يعقلوا الرّسالة ويفهموها.

وفي الحديث الشريف: (ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ حسَنِ الصوتِ بالْقُرْءَان يجهرُ به) ([22]) .

- (ما أذِن اللهُ لشيءٍ، ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالْقُرْءَان. وفي رواية: كما يأذنُ لنبيٍّ يتغنَّى بالْقُرْءَان) ([23]) .

يَحكي أبو هُرَيرةَ رضي اللَّه عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالَ: لَمْ يَأذَنِ اللَّهُ، أي: لَم يَستَمِع لشَيءٍ ما أَذِنَ: ما استَمَعَ، أي: كاستِماعِهِ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يَتَغَنَّى بِ